سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٤٢
ثم رجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك ، فعلم معاوية أن علياً لا يجيبه إلى شئ مما يريد ) .
أقول : لا يبعد أن يكون هذا الوفد إلى علي ( ٧ ) بطلب شرحبيل ، وأنه استثير بقوله ( ٧ ) : فوالله لا يقاتل مع معاوية أحد إلا أكبه الله غداً في نار جهنم !
فطلب من الوفد الرجوع . كما استثير بقول جرير ( وأما قولك إن علياً قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، ولكنك ملت إلى الدنيا ، وشئ كان في نفسك زمن سعد بن أبي وقاص ) !
هذا ويظهر أن ابن حوشب أخذ هذه المناشدة من شرحبيل ، وناشدها لعلي ( ٧ ) في أواخر الحرب . فقد روى ابن عبد البر في الإستيعاب ( ١ / ٤١١ ) : ( عن عبد الواحد الدمشقي قال : نادى حوشب الحميري علياً يوم صفين فقال : انصرف عنا يا بن أبي طالب ، فإنا ننشدك الله في دمائنا ودمك ، ونخلي بينك وبين عراقك ، وتخلي بيننا وبين شامنا ، وتحقن دماء المسلمين . فقال علي ( ٧ ) : هيهات يا بن أم ظليم ، والله لو علمت أن المداهنة تسعني في دين الله لفعلت ولكان أهون علي في المؤنة ، ولكن الله لم يرض من أهل القرآن بالسكوت والإدهان إذا كان الله يعصى وهم يطيقون الدفاع والجهاد حتى يظهر أمر الله ) .
وروى نصر / ٤٧٤ ، نحوه قرب ليلة الهرير : ( قال : وخرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين : يا أبا الحسن يا علي أبرز إلي . قال : فخرج إليه علي حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين فقال : يا علي ، إن لك قدماً في الإسلام وهجرة ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك ؟ فقال له على : وما ذاك ؟ قال : ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ، ونرجع إلى شامنا فتخلي بيننا وبين شامنا . فقال له علي ( ٧ ) : لقد عرفت إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة . ولقد أهمني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينيه ، فلم أجد إلا القتال ، أو الكفر بما أنزل الله على محمد ( ( ٨ ) ) . إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون على من معالجة الأغلال في جهنم . فرجع الشامي وهو يسترجع ) .
وروى نحوه ابن الأعثم ( ٣ / ١٥٧ ) وأبو نعيم في الحلية ( ١ / ٨٥ ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( ٣٧ / ٢٩١ ) وابن الأثير في أسد الغابة ( ٢ / ٩٢ ) .