سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٤١
أما بعد فإن عثمان ( رضي الله عنه ) وجعل ما أصابه كفارة لذنوبه ، قد كان أفضل أصحاب محمد حسباً ونسباً وقدماً وصهراً ، فالله حسيب قاتله وخاذله ، وأيم الله إننا لنعلم أن علياً ومن معه من المهاجرين والأنصار قد كانت لهم سوابق قديمة عظيمة وفضل لا يجهل ، وقد رأينا رأياً نسأل الله تعالى فيه التوفيق لما يحب ويرضى ، ولعل الله تبارك وتعالى يحقن دماءنا ويصلح ذات البين ، وهؤلاء أشرافنا من أهل الشام قد اجتمعوا لذلك ، وكذلك أشراف أهل العراق مجتمعون يا أبا الحسن وأنتم يا معشر من حضر . قال فقال علي : تكلموا بما تريدون حتى ننظر ما الذي تطلبون .
قال فتكلم شرحبيل بن السمط فقال : أما بعد فيا معشر أهل العراق ! إن الله تبارك وتعالى قد جعل بيننا حقوقاً عظاماً من الأرحام الماسة ، والأنساب القربية ، والأصهار الشابكة ، وقد علمنا يا أبا الحسن أن لك سابقة مع رسول الله وصهراً وقرابة وفقهاً في الدين وبأساً وتجربة وشرفاً قديماً . والله يعلم وإنك لتعلم أنا قد اقتتلنا لحمية الجاهلية بالسيوف الهندية لأنها جارات القرب وحصون الحومات ، وأنها بيضة الروم ، وأما حرماتكم فإنها بيضة فارس ، وقد رأينا أن تنصرف عنا يا أبا الحسن أنت ومن معك ، فنخلي بينكم وبين عراقكم وحجازكم وتخلونا بيننا وبين شامنا ونحقن دماء المسلمين . والله يعلم أنني قد أتيت بغاية النصيحة ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب .
فقال علي ( رضي الله عنه ) : والله لقد نظرت في هذا الأمر ، فضربت ظهره وبطنه ، وأنفه وعينه حتى لقد منعني النوم ، فما وجدته يسعني إلا قتالكم أو الكفر بما جاء به محمد ( ( ٨ ) ) ، وأيم الله لوددت أنني فديت حقن دماء المسلمين بمهجتي ، ولكن قولوا لصاحبكم هذا يخرج إلى هذه الصحراء ، ثم أدعو الله ويدعو هو أيضاً أن يقتل المحق منا المبطل ، ثم إني أبارزة فأينا قتل صاحبه ملتم معه بأجمعكم .
فوالله لا يقاتل مع معاوية أحد إلا أكبه الله غداً في نار جهنم ! قال : فالتفت الشامي إلى أصحابه فقال : ما يقعدكم ! إنهضوا فلا والله ما عند هذا الرجل إلا السيف . قال : فوثب أهل الشام وهم يقولون : هلكت العرب ورب محمد .