سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٠٣
سنة كفارة لما قلت ، كيف لو رأيت الفصحاء الأدباء النطقاء ، ووقعت في بحر علومهم لغرقت يا شقي . قال : الويل لأمك ! قال : بل طوبى لها ولدت مؤمناً يغمز منافقاً مثلك ، قال له : يا أعرابي هل لك في جائزة ؟ قال : أرى استنقاص روحك ، فكيف لا أرى استنقاص مالك ، فأمر له بمائة ألف درهم ، قال : أزيدك يا أعرابي ؟ قال أسد يداً سد أبداً ، فأمر له بمائة ألف أخرى ، فقال ثلِّثها فإن الله فرد ، ثم ثلثها ، فقال : الآن ما تقول ؟ فقال : أحمد الله وأذمك ، قال : ولم ويلك ؟ قال : لأنه لم يكن لك ولأبيك ميراثاً ، إنما هو من بيت مال المسلمين أعطيتنيه .
ثم أقبل معاوية على كاتبه فقال : أكتب للأعرابي جواباً ، فلا طاقة لنا به . فكتب : أما بعد يا علي فلأوجهن إليك بأربعين حملاً من خردل ، مع كل خردلة ألف مقاتل يشربون الدجلة ، ويستقون الفرات !
فلما نظر الطرماح إلى ما كتب به الكاتب أقبل على معاوية فقال له : سوءة لك يا معاوية ، فلا أدري أيكما أقل حياء أنت أم كاتبك ؟ ويلك لو جمعت الجن والإنس وأهل الزبور والفرقان كانوا لا يقولون بما قلت ، قال : ما كتبه عن أمري ، قال : إن لم يكن كتبه عن أمرك فقد استضعفك في سلطانك وإن كان كتبه بأمرك فقد استحييت لك من الكذب ، أمن أيهما تعتذر ومن أيهما تعتبر ؟ أما إن لعلي ديكاً أشتر جيد العنصر ، يلتقط الخردل لجيشه وجيوشه ، فيجمعه في حوصلته . قال : ومن ذلك يا أعرابي ؟ قال : ذلك مالك بن الحارث الأشتر ، ثم أخذ الكتاب والجائزة وانطلق به إلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، فأقبل معاوية على أصحابه فقال : نرى لو وجهتكم بأجمعكم في كل ما وجه به صاحبه ما كنتم تؤدون عني عشر عشير ما أدى هذا عن صاحبه ) !
٢ . هذه الرواية غير مقبولة عندي ، فالصنعة فيها ظاهرة ، والتكلف ، ولم يكن يزيد ولي عهد أبيه يومها ، وكان صغيراً عن استقبال الرسل ، ولا كان معاوية يسمى أمير المؤمنين قبل التحكيم . لكن فائدة الرواية أنها تدل على جَوِّ الحِجَاج ، الذي كان سائداً بين أمير المؤمنين ( ٧ ) ومعاوية ، وبين أهل العراق وأهل الشام ،