سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٨٢
حتى ضربت آباط الإبل إليه من كلّ وجه ، وقيدت اليه الخيل من كل أفق ، وشهر عليه السلاح في حرم رسول الله فقتل معك في المحلة وأنت تسمع الهائعة لا تدرأ عنه بقول ولا فعل ! ولعمري يا ابن أبي طالب لو قمت في حقه مقاماً واحداً تنهى الناس فيه عنه ، وتقبح لهم ما ابتهلوا منه ، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحداً ، ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة له والبغي عليه . وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنيناً : إيواؤك قتلته ، فهم عضدك ويدك وأنصارك ، وقد بلغني أنك تتنصل من دم عثمان وتتبرأ منه ، فإن كنت صادقاً فادفع إلينا قتلته كي نقتلهم به ، ثم نحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس بيننا وبينك إلا السيف ، ووالذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله . والسلام .
فدفع الكتاب إلى أبي مسلم الخولاني وأمره أن يسير به إلى علي ، فصار به إلى الكوفة فأوصله إلى علي واجتمع الناس في المسجد ، وقرئ عليهم فقالوا : كلنا قتلة عثمان وكلنا كان منكراً لعمله ، ولم يجبه علي إلى ما أراد ، فجعل أبو مسلم يقول : الآن طاب الضراب . وكتب علي ( ٧ ) إليه في جواب كتابه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين ، إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمداً وما أكرمه الله به من الهدى والوحي ، فالحمدلله الذي صدق له الوعد ، ومكَّن له في البلاد ، وأظهره على الدين كله ، وقمع به أهل العداوة والشنآن من قومه الذين كذبوه وشنعوا له وظاهروا عليه ، وعلى إخراج أصحابه ، وقلَّبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم له كارهون ، فكان أشد الناس عليه الأدنى فالأدنى من قومه ، إلا قليلاً ممن عصم الله .
وذكرت أن الله جلّ ثناؤه وتباركت أسماؤه اختار له من المؤمنين أعواناً أيده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده .
وذكرت أن ابن عفان كان في الفضل ثالثاً لهما ، فإن يكن عثمان محسناً فسيلقى رباً شكوراً يضاعف الحسنات ويجزي بها ، وإن يكن مسيئاً فسيلقى رباً غفوراً رحيماً ،