الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٣٥ - باب رؤيا القوم
صدرا[١] من الدقيق، فوضعته لأستريح، فكنت أقول: يا رب، لو أعطيتنى كل يوم رغيفين من غير تعب لكنت أكتفى بهما، فإذا رجلان يختصمان .. فتقدمت أصلح بينهما .. فضرب أحدهما رأسى بشئ أراد أن يضرب به خصمه، فدمى وجهى .. فجاء صاحب «الربع» فأخذهما، فلما رآنى ملوثا بالدم أخذنى و ظن أننى ممن تشاجر. فأدخلنى السجن، و بقيت فى السجن مدة أوتى كل يوم برغيفين، فرأيت ليلة فى المنام قائلا يقول لى: إنك سألت الرغيفين كل يوم من غير نصب، و لم تسأل العافية .. فأعطاك ما سألت. فانتبهت، و قلت العافية. العافية، فرأيت باب السجن يقرع، و قيل: أين عمر الحمال؟ فأطلقونى و خلوا سبيلى.
و حكى عن الكتانى أنه قال: كان عندنا رجل من أصحابنا هاجت عينه، فقيل له: ألا تعالجها؟ فقال: عزمت على أن لا أعالجها حتى تبرأ، قال: فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول: لو كان هذا العزم على أهل النار كلهم، لأخرجناهم من النار.
و حكى عن الجنيد أنه قال: رأيت فى المنام كأنى أتكلم على الناس[٢] .. فوقف على ملك. فقال: أقرب ما تقرب به المتقربون إلى اللّه ماذا؟ فقلت: عمل خفى بميزان وفى. قال: فولى الملك عنى، و هو يقول: كلام موفق و اللّه.
و قال رجل للعلاء بن زياد: رأيت فى النوم كأنك من أهل الجنة. فقال: لعل الشيطان أراد أمرا فعصمت منه، فأشخص[٣] إلى رجلا يعينه على مقصوده من إضلالى.
و قيل رؤى عطاء السلمى فى النوم، فقيل له: لقد كنت طويل الحزن، فما فعل اللّه تعالى بك؟ فقال: أما و اللّه لقد أعقبنى ذلك راحة طويلة و فرحا دائما، فقيل له: ففى أى الدرجات أنت؟
فقال: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ ..» الآية[٤].
و قيل: رؤى الأوزاعى فى المنام، فقال: ما رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة العلماء، ثم المحزونين.
[١] - أى حملا ثقيلا.
[٢] - أى: أعظمهم.
[٣] - أى: أرسل.
[٤] - آية ٦٩ من سورة النساء.