الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٨٠ - باب المجاهدة
فسئل عن السبب، فقال: كنت أقضى صلاة كذا، و كذا سنة صليها و عندى أنى مخلص فيها للّه، فداخلنى يوم تأخرى عن المسجد من شهود الناس إياى فى الصف الأخير نوع خجل، فعلمت أن نشاطى طول عمرى إنما كان على رؤيتهم فقضيت صلواتى.
و يحكى عن أبى محمد المرتعش، أنه قال:
حججت كذا، و كذا حجة على التجريد[١]، فبان لى أن جميع ذلك كان مشوبا بحظى؛ و ذلك: أن والدتى سألتنى يوما أن أستقى لها جرة ماء فثقل ذلك على نفسى، فعلمت أن مطاوعة نفسى فى الحجّات كانت لحظ، و شوب لنفسى، إذ لو كانت نفسى فانية[٢] لم يصعب عليها ما هو حق فى الشرع.
و كانت امرأة قد طعنت فى السن، فسئلت عن حالها، فقالت:
كنت فى حال الشباب أجد من نفسى نشاطا و أحوالا؛ أظنها قوة الحال، فلما كبرت زالت عنى، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب، فتوهمتها أحوالا.
سمعت الشيخ أبا على الدقاق يقول:
ما سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز، و قال: إنها كانت منصفة.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول:
سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصرى يقول:
ما أعز اللّه عبدا بعز هو أعز له من أن يدله على ذل نفسه، و ما أذل اللّه عبدا بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه.
و سمعته يقول: سمعت محمد بن عبد اللّه الرازى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: ما هالنى شئ إلا ركبته[٣].
و سمعته يقول: سمعت عبد اللّه الرازى يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول، الراحة: هو الخلاص من أمانى النفس.
[١] - اى لا أخذ زادا أو لا راحلة مقاسيا فيها الجوع و التعب.
[٢] - اى عن حظها.
[٣] - أى ما أفزعنى شئ يجوزه الشرع من سهر أو جوع أو نحو ذلك من ألوان المجاهدة إلا فعلته و مارسته.