الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٨ - أبو محمد سهل بن عبد الله التسترى
ثم قال لى خالى يوما: يا سهل، من كان اللّه معه، و هو ناظر إليه، و شاهده، أتعصيه؟ إياك و المعصية.
فكنت أخلو، فبعثونى[١] إلى الكتاب، فقلت:
إنى لأخشى أن يتفرق على همى[٢]، و لكن شارطوا المعلم: أنى أذهب إليه ساعة، فأتعلم، ثم أرجع.
فمضيت إلى الكتاب، و حفظت القرآن، و أنا ابن ست سنين أو سبع سنين، و كنت أصوم الدهر، و قوتى خبز الشعير، إلى أن بلغت إثنتى عشرة سنة، فوقعت لى مسألة و أنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أهلى أن يبعثونى إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة و سألت علماءها فلم يشف أحد منهم عنى شيئا!!
فخرجت إلى «عبادان»، إلى رجل يعرف بأبى حبيب حمزة بن عبد اللّه العبادانى، فسألته عنها فأجابنى. و أقمت عنده مدة أنتفع بكلامه و أتأدب بآدابه، ثم رجعت إلى «تستر» فجعلت قوتى اقتصارا على أن يشترى لى بدرهم من الشعير «الفرق»[٣] فيطحن و يخبز لى، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتا، بغير ملح و لا إدام فكان يكفينى ذلك الدرهم سنة.
ثم عزمت على أن أطوى ثلاث ليال، ثم أفطر ليلة. ثم خمسا، ثم سبعا، ثم خمسا و عشرين ليلة. و كنت عليه[٤] عشرين سنة، ثم خرجت أسيح فى الأرض سنين، ثم رجعت إلى «تستر» و كنت أقوم الليل كله.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادى يقول: سمعت إبراهيم بن فراس يقول: سمعت نصر بن أحمد يقول: قال سهل بن عبد اللّه:
كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء، طاعة كان أو معصية، فهو عيش النفس[٥]، و كل فعل يفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس[٦].
[١] - و فى نسخة« فبعثوا بى».
[٢] - أى ما أهتم به و هو ذكر ربى مع حضور قلبى فى الخلوة.
[٣] - مكيال يكال به.
[٤] - و فى نسخة« فكنت عليها».
[٥] - أى حظها.
[٦] - و قال سهل: دخلت الفتنة على العامة من الرخص و التأويلات، و على العارفين من تأخير الحق الواجب إلى وقت آخر.
و قال: من أعظم المعاصى الجهل بالجهل، و النظر إلى العالمة، و سماع كلام أهل الغفلة.
و قال: أصول طريقنا سبعة: التمسك بالكتاب، و الاقتداء بالسنة، و أكل الحلال، و كف الأذى، و تجنب المعاصى و التوبة، و أداء الحقوق.