الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٦ - أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامى
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت الحسن ابن على يقول: سمعت عمى البسطامى يقول: سمعت أبى يقول: سألت أبا يزيد عن ابتدائه و زهده، فقال:
ليس للزهد منزلة. فقلت: لماذا؟ فقال: لأنى كنت ثلاثة أيام فى الزهد ..
فلما كان اليوم الرابع خرجت منه: اليوم الأول: زهدت فى الدنيا و ما فيها، و اليوم الثانى: زهدت فى الآخرة و ما فيها، و اليوم الثالث زهدت فيما سوى اللّه، فلما كان اليوم الرابع لم يبق لى سوى اللّه ... فهمت، فسمعت، هاتفا يقول:
يا أبا يزيد لا تقوى معنا. فقلت: هذا الذى أريده.
فسمعت قائلا يقول: وجدت، وجدت.
و قيل لأبى يزيد: ما أشد ما لقيت فى سبيل اللّه؟ فقال: لا يمكن وصفه.
فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك؟
فقال: أما هذا فنعم، دعوتها إلى شئ من الطاعات فلم تجبنى فمنعتها الماء سنة.
و قال أبو يزيد: منذ ثلاثين سنة أصلى، و اعتقادى فى نفسى عند كل صلاة أصليها: كأنى مجوسى أريد أن أقطع زنارى[١].
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول: سمعت عبد اللّه بن على يقول: سمعت موسى بن عيسى يقول، قال لى أبى: قال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتقى[٢] فى الهواء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر و النهى، و حفظ الحدود، و أداء الشريعة[٣].
و حكى عمى البسطامى عن أبيه أنه قال: ذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط، ليذكر اللّه، سبحانه، على سور الرباط، فبقى إلى الصباح لم يذكر، فقلت له فى ذلك، فقال:
تذكرت كلمة جرت على لسانى فى حال صباى[٤]، فاحتشمت أن أذكره سبحانه و تعالى.
[١] - ما يشد به الوسط، أراد به كدورات الحظوظ و الرغبات.
[٢] - و فى نسخة يرتفع، و فى أخرى يتربع.
[٣] - مراده الحث على اتباع الكتاب و السنة و عدم الخروخ عن سننهما، أو الغرور بمن حاله يخالفهما، فهو و إن كان صادقا فى الحقيقة، فلا يتابع بحكم الطريقة كما قال العروسى.
[٤] - فيه أشعار بعدم صدور المخالفات منه بعد التكليف، و إلا لكان أسرع تذاكرا لها و أكثر معرفة بها.