الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٠٣ - فصل
الآيات، و رجل ضرير بالقرب منا يسمع، فتقدم إلينا، و قال: أنست بكلامكم؛ اعلموا أنه كان لى صبية و عيال، و كنت أخرج إلى البقيع أحتطب. فخرجت يوما .. فرأيت شابا عليه قميص كتان و نعله فى إصبعة، فتوهمت أنه تائه فقصدته أسلب ثوبه: فقلت له: إنزع ما عليك. فقال: سر فى حفظ اللّه. فقلت الثانية و الثالثة. فقلت: لابد؟ فقلت: لابد .. فأشار من بعيد بأصبعة إلى عينى فسقطتا.
فقلت: باللّه عليك. من أنت؟ فقال: إبراهيم الخواص.
و قال ذو النون المصرى:
كنت وقتا فى السفينة فسرقت قطيفة[١]. فاتهموا بها رجلا. فقلت: دعوه حتى أرفق به. و إذا الشاب نائم فى عباءة. فأخرج رأسه من العباءة. فقال له ذو النون فى ذلك المعنى[٢]. فقال: إلى تقول ذلك؟. أقسمت عليك يا رب أن لا تدع واحدا من الحيتان إلا جاء بجوهرة. قال: فرأينا وجه الماء حيتانا فى أفواههم[٣] الجواهر، ثم ألقى الفتى نفسه فى البحر و مر إلى الساحل.
و حكى عن إبراهيم الخواص قال:
دخلت البادية مرة فرأيت نصرانيا على وسطه «زنار» فسألنى الصحبة فمشينا سبعة أيام. فقال لى: يا راهب الحنيفية[٤] هات ما عندك من الانبساط فقد جعنا فقلت إلهى لا تفضحنى مع هذا الكافر. فرأيت طبقا عليه خبز و شواء و رطب و كوز ماء. فأكلنا و شربنا و مشينا سبعة أيام ثم بادرت و قلت: يا راهب النصارى.
هات ما عندك. فقد انتهت النوبة إليك. فاتكأ على عصاه. و دعا. فاذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقى. قال: فتحيرت و تغيرت. و أبيت أن آكل. فألح على فلم أجبه. فقال: كل؛ فانى أبشرك ببشارتين. إحداهما: أنى أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه. و حل الزنار. و الأخرى: أنى قلت اللهم إن كان لهذا العبد خطر عندك فافتح على بهذا؛ ففتح. فأكلنا و مشينا و حج[٥]. و أقمنا بمكة سنة ثم إنه مات و دفن بالبطحاء.
و قال محمد بن المبارك الصورى:
[١] - و فى نسخة« جوهرة».
[٢] - أى إتهامهم له.
[٣] - الأولى: فى أفواهها كما فى بعض النسخ.
[٤] - أى المسلمين.
[٥] - و فى نسخة و حجبنا.