الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥ - تقديم
أعماق الأرض و البحار، و يرتفع فى الأفق إلى أبعد ما يصل إليه العلم بوسائله و آلاته، و يغزو الفضاء فيما بين السماء و الأرض، و تترك له الاختيار فى استخدام الوسائل، لذلك: لا حجر عليه فى الحرية و لا تضييق.
و موقف الدين الإسلامى من العلم واضح كل الوضوح، فأول كلمة فى الدستور الإسلامى: «القرآن» هى: «إقرأ ...». ثم إن الآيات القرآنية التى تحث على العلم، و تبين فضل العلماء كثيرة: يقول اللّه تعالى، لنبيه، صلى اللّه عليه و سلم: «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»، و يقول اللّه تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ...) و يقول تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ...)
أما الأحاديث النبوية: فانها هى الأخرى كثيرة، من أجمعها: الحديث الذى رواه أبو داود، و الترمذى، يقول صلوات اللّه و سلامه عليه:
«من سلك طريقا يبتغى فيه علما، سهل اللّه له طريقا إلى الجنة، و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع، و إن العالم ليستغفر له من فى السماوات، و من فى الأرض حتى الحيتان فى الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، و إن العلماء ورثة الأنبياء، و إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما:
إنما ورثوا العلم، فمن اخذه اخذ بحظ وافر».
و قد وضح هذا الاتجاه فى القرآن، و فى الأحاديث الشريفة، وضوحا بينا؛ فاندفع المسلمون إلى البحث فى جميع ميادين الحياة: روحية كانت أو عقلية أو مادية ..
و نشأ عن ذلك: الحضارة الإسلامية التى أنتجت أمثال: جابر بن حيان فى الكيمياء، و ابن الهيتم فى الطبيعيات، و أبى بكر الرازى فى الطب، و ابن سينا فى الطب كذلك و الفلسفة، و الغزالى فى الجانب الروحى، و ابن رشد فى الفلسفة، العقلية. و ابن خلدون فى الاجماع و التاريخ ...، و كثيرين غيرهم.
و قد أشاد كثيرون من منصفى الغربيين بالحضارة الإسلامية و بمناهجها يقول (غوستاف لوبون):
«و بعزى إلى بيكون، على العموم: أنه أول من أقام التجربة و الملاحظة اللتين هما أساس المناهج العلمية الحديثة، مقام الأستاذ. و لكنه يجب ان نعترف، قبل كل شئ، بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم.