الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٤٤ - باب المعرفة بالله
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: العارف مستهلك[١] فى بحار التحقيق؛ كما قال قائلهم: المعرفة أمواج تغط. ترفع و تحط.
و سئل يحيى بن معاذ عن العارف، فقال: رجل كائن بائن[٢]، و مرة قال:
كان فبان[٣].
و قال ذو النون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، و لا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم، و لا تحمله كثرة نعم اللّه عز و جل، عليه على هتك أستار محارم اللّه.
و قيل: ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف عند أبناء الدنيا؟.
و قال أبو سعيد الخراز: المعرفة تأتى من عين الجود و بذل المجهود.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد اللّه يقول: سمعت جعفرا يقول: سئل الجنيد عن قول ذى النون المصرى فى صفة العارف.
«كان هاهنا فذهب» فقال الجنيد: العارف: لا يحصره حال عن حال[٤]، و لا يحجبه منزل عن التنقل فى المنازل، فهو مع أهل كل مكان يمثل الذى هو فيه يجد مثل الذى يجدون، و ينطق فيها بمعالمها[٥] لينتفعوا بها.
و سمعته يقول: سمعت عبد اللّه الرازى يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول:
المعرفة حياة القلب مع اللّه تعالى.
و سمعته يقول: سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول: سمعت الكتانى يقول:
سئل أبو سعيد الخراز: هل يصير العارف إلى حل يجفو[٦] عليه البكاء؟
فقال: نعم، إنما البكاء فى أوقات سيرهم إلى اللّه تعالى، فاذا نزلوا إلى حقائق القرب و ذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك.
[١] - غارق.
[٢] - أى كائن مع الخلق ببدنه بعيد طاعتهم بقلبة.
[٣] - أى و عبر مرة أخرى عن العارف بقوله: كان أى مع الخلق فبان أى ففارقهم.
[٤] - أى لا يتفيد بحال معين.
[٥] - بأماراتها.
[٦] - يجفو أى يبعد.