الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٤١ - باب المعرفة بالله
و سئل بن يزدانيار: متى يشهد العارف الحق سبحانه؟ فقال: إذا بدا الشاهد و فنى الشواهد[١] و ذهب الحواس و اضمحل الإخلاص.
و قال الحسين بن منصور: إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى[٢] اللّه إليه بخواطره، و حرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق.
قال: علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا و الآخرة.
و قال سهل بن عبد اللّه: المعرفة غايتها شيئان الدهش، و الحيرة.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون المصرى يقول: أعرف الناس باللّه تعالى أشدهم تحيرا فيه.
و سمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا عمر الأنطاكى يقول: قال رجل للجنيد: من أهل المعرفة أقوام يقولون إن ترك الحركات[٣] من باب البر و التقوى.
فقال الجنيد: إن هذا قول قوم تكلموا باسقاط الأعمال، و هو عندى عظيم، و الذى يسرق و يزنى أحس حالا من الذى يقول هذا؛ فان العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه تعالى، و إلى اللّه رجعوا فيها، و لو بقت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة.
و قيل لأبى يزيد: بماذا وجدت[٤] هذه المعرفة؟
فقال: ببطن جائع و بدن عار.
و قال أبو يعقوب النهرجورى: قلت لأبى يعقوب السوسى هل يتأسف العارف على شئ غير اللّه عز و جل؟ فقال: و هل يرى غيره فيتأسف عليه؟.
قلت: فبأى عين ينظر إلى الأشياء؟ فقال: بعين الفناء و الزوال.
و قال أبو يزيد: العارف طيار[٥]، و الزاهد سيار.
[١] - الإدراكات.
[٢] - الهم.
[٣] - أى الأعمال؛ كالصلاة و الصوم.
[٤] - نلت.
[٥] - سريع الرجوع إلى اللّه.