الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤١١ - باب احكامهم فى السفر
و اعلم أن السفر على قسمين:
سفر بالبدن: و هو الانتقال من بقعة إلى بقعة.
و سفر بالقلب: و هو الارتقاء من صفة إلى صفة؛ فترى ألفا يسافر بنفسه[١] و قليل من يسافر بقلبه.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه. يقول: كان ب «فرخك» (قرية بظاهر «نيسابور») شيخ من شيوخ هذه الطائفة، و له على هذا اللسان تصانيف، سأله بعض الناس: هل سافرت أبيها الشيخ؟
فقال: سفر الأرض أم سفر السماء؟ سفر الأرض لا، و سفر السماء، بلى.
سمعته، رحمه اللّه، يقول: جاءنى بعض الفقراء يوما، و أنا بمرو، فقال لى:
قطعت إليك شقة بعيدة، و المقصود لقاؤك.
فقلت له: كان يكفيك خطوة واحدة لو سافرت عن نفسك.
و حكاياتهم فى السفر تختلف على ما ذكرنا من أقسامهم و أحوالهم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت محمد بن على العلوى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت أحنف الهمذانى يقول: كنت فى البادية وحدى، فأعييت، فرفعت يدى و قلت: يا رب، إنى ضعيف زمن، و قد جئت إلى ضيافتك، فوقع فى قلبى أن يقال لى: من دعاك؟ فقلت يا رب هى مملكة تحتمل الطفيلى .. فإذا أنا بهاتف من ورائى .. فالتفت إليه فاذا أعرابى على راحلة، فقال: يا أعجمى، إلى أين؟ .. قلت: إلى مكة، قال: أ و دعاك؟ قلت: لا أدرى، فقال: أليس قال: «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»[٢]؟ فقلت: المملكة واسعة تحتمل الطفيلى، فقال: نعم الطفيلى أنت، يمكنك أن تخدم الجمل؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته و أعطانيها، و قال: سر عليها.
سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفى يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول؟
سمعت الكنانى يقول؛ و قد قال له بعض الفقراء: أوصنى، فقال: اجتهد أن تكون كل ليلة ضيف مسجد، و أن لا تموت إلا بين منزلين[٣].
[١] - أى ببدنه.
[٢] - من آية ٩٧ من سورة آل عمران.
[٣] - و فى نسخة« منزلتين» أى المنزلة التى أنت فيها و المنزلة التى تطلبها.