الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٨١ - باب الدعاء
فالأولى له ترك الدعاء فى هذا الوقت، و إن لم يجد فى قلبه زيادة بسط و لا حصول زجر فالدعاء و تركه هاهنا سيان، فان كان الغالب عليه فى هذا الوقت العلم، فالدعاء أولى؛ لكونه عبادة، و إن كان الغالب عليه فى هذا الوقت المعرفة و الحال و السكوت، فالسكوت أولى، و يصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو للحق سبحانه فيه حق، فالدعاء أولى و ما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم. و فى الخبر المروى «أن العبد يدعو اللّه سبحانه و هو يحبه، فيقول: يا جبريل أخر حاجة عبدى، فانى أحب أن أسمع صوته، و إن العبد ليدعو اللّه و هو يبغضه فيقول: يا جبريل، إقض لعبدى حاجته، فانى أكره أن أسمع صوته»[١].
و يحكى عن يحيى بن سعيد القطان، رحمه اللّه تعالى، أنه رأى الحق، سبحانه فى المنام، فقال: إلهى، كم أدعوك فلا تجيبنى.
فقال يا يحيى؛ لأنى أحب أن أسمع صوتك.
و قال صلى اللّه عليه و سلم: «و الذى نفسى بيده، إن العبد ليدعو اللّه تعالى و هو عليه غضبان، فيعرض عنه، ثم يدعوه، فيعرض عنه، ثم يدعوه، فيعرض عنه، ثم يدعوه، فيقول اللّه تعالى لملائكته: أبى عبدى أن يدعو غيرى فقد استجبت له»[٢].
أخبرنا أبو الحسين على بن محمد بن عبد اللّه بن بشران ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: أخبرنا محمد بن عبد ربه الخضرمى قال: أخبرنا بشر بن عبد الملك قال: حدثنا موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال: «كان رجل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يتجر من بلاد الشام إلى المدينة، و من المدينة إلى بلاد الشام، و لا يصحب القوافل توكلا منه على اللّه، عز و جل، قال:
بينما هو جاء من الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس. فصاح بالتاجر: قف. قف .. فوقف له التاجر، و قال له: شأنك بمالى و خل سبيلى.
فقال له اللص: المال مالى، و إنما أريد نفسك. فقال له التاجر: ما تريد بنفسى؟.
شأنك و المال و خل سبيلى. قال: فرد عليه اللص مثل المقالة الأولى، قال له التاجر:
أنظرنى حتى أتوضأ و أصلى و أدعو ربى عز و جل.
[١] - أخرجه ابن ماجة فى السنن، و البيهقى فى الدلائل.
[٢] - أخرجه ابن ماجه.