الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤ - فصل
باب فى ذكر مشايخ هذه الطريقة[١]
و ما يدل من سيرهم و أقوالهم على تعظيم الشريعة[٢] إعلموا، رحمكم اللّه تعالى، أن المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:
لم يتسم أفاضلهم فى عصرهم بتسمية علم، سوى صحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة.
و لما أدركهم أهل العصر الثانى سمى من صحب الصحابة: التابعين. و رأوا فى ذلك أشرف سمة[٣]. ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين.
ثم اختلف الناس، و تباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد و العباد.
ثم ظهرت البدع، و حصل التداعى[٤] بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا.
فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم[٥] مع اللّه تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة، باسم «التصوف».
و اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.
و نحن نذكر فى هذا الباب أسامى جماعة من شيوخ هذه الطريقة، من الطبقة الأولى إلى وقت المتأخرين منهم، و نذكر جملا من سيرهم، و أقاويلهم، بما يكون فيه تنبيه على أصولهم و آدابهم إن شاء اللّه تعالى.
[١] - اى الطريقة المعنوية المعبر بها عن القيام بوظائف العبادات، و المتوصل بها إلى المقامات: كالزهد و الورع و غيرهما.
[٢] - الشريعة: ما شرعه اللّه لعباده من الدين.
[٣] - سمة: علامة.
[٤] - التداعى: التنازع.
[٥] - الدائمون على الاشتغال بالعبادة مع المراقبة، فلا يخرج لهم نفس إلا حاسبوا أنفسهم عليه.