الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٠٢ - باب العبودية
باب العبودية
قال اللّه عز و جل: (وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[١].
و أخبرنا أبو الحسن الإهوازى، رحمه اللّه، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال حدثنا عبيد بن شريك قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا مالك عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن عمر بن الخطاب، عن أبى سعيد الخدرى، و أبى هريرة، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: (سبعة يظلهم اللّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، و شاب نشأ فى عبادة اللّه تعالى و رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه، و رجلان تحابا فى اللّه اجتمعا على ذلك و تفرقا عليه، و رجل ذكر اللّه تعالى خاليا ففاضت عيناه، و رجل دعته امرأة ذات حسن و جمال فقال: إنى أخاف اللّه رب العالمين، و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، يقول:
العبودية أتم من العبادة، فأولا: عبادة، ثم عبودية؛ ثم عبودة.
فالعبادة للعوام من المؤمنين، و العبودية للخواص، و العبودة لخاص الخاص.
و سمعته يقول: العبادة: لمن له علم اليقين، و العبودية؛ لمن له عين اليقين، و العبودة: لمن له حق اليقين.
و سمعته يقول: العبادة: لأصحاب المجاهدات، و العبودية: لأرباب المكابدات، و العبودة: صفة أهل المشاهدات، فمن لم يدخر عنه نفسه، فهو صاحب عبادة، و من لم يضن عليه بقلبه فهو صاحب عبودية: و من لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب عبودة.
و يقال: العبودية: القيام بحق الطاعات بشرط التوفير[٢] و النظير إلى ما منك بعين التقصير، و شهود ما يحصل من مناقبك من التقدير.
و يقال: العبودية: ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار.
و يقال: العبودية: التبرؤ من الحول و القوة، و الإقرار بما يعطيك و يوليك من الطول[٣] و المنة.
[١] - آية ٩٩ من سورة الحجر.
[٢] - أى موفرة كاملة.
[٣] - الطول. الغنى.