الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٧٠ - باب التوكل
جعت مرة بالحرم عشرة أيام، فوجدت ضعفا .. فحدثتنى نفسى .. فخرجت إلى الوادى، لعلى أجد شيئا يسكن ضعفى ... فرأيت «سلجمة»[١] مطروحة ..
فأخذتها .. فوجدت فى قلبى منها وحشة .. و كأن قائلا يقول لى: جعت عشرة أيام و آخره يكون حظك سلجمة متغيرة. فرميت بها .. و دخلت المسجد فقعدت، فاذا أنا برجل أعجمى، جلس بين يدى و وضع «قمطرة»[٢]، و قال: هذه لك.
فقلت: كيف خصصتنى بها؟. فقال: اعلم أنا كنا فى البحر منذ عشر أيام ..
و أشرفت السفينة على الغرق .. فنذر كل واحد منا: إن خلصنا اللّه، تعالى، أن يتصدق بشئ، و نذرت أنا: إن خلصنى اللّه تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع بصرى عليه من المجاورين[٣]. و أنت أول من لقيته.
فقلت: افتحها. ففتحها، فاذا فيها: كعك سميد[٤] مصرى، و لوز مقشور، و سكر كعاب[٥] فقبضت قبضة من ذا، و قبضة من ذا، و قبضة من ذا.
و قلت: رد الباقى إلى صبيانك، هو هدية منى لكم، و قد قبلتها[٦].
ثم قلت فى نفسى: رزقك يسير إليك من عشرة أيام و أنت تطلبه من الوادى!!
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول: كنت عند ممشاد الدينورى، فجرى حديث الدين، فقال:
كان على دين: فاشتغل قلبى .. فرأيت فى النوم كأن قائلا يقول:
يا بخيل، أخذت علينا هذا المقدار، خذ؛ عليك الأخذ، و علينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا، و لا قصابا، و لا غيرهم.
و يحكى عن بنان الحمال، قال: كنت فى طريق مكة حرسها اللّه. أجئ من مصر، و معى زاد، فجاءتنى امرأة، و قالت لى: يا بنان، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد، و تتوهم أنه لا يرزقك.؟؟. قال: فرميت بزادى. ثم أتى على ثلاث «لم آكل» فوجدت خلخالا فى الطريق .. فقلت فى نفسى: أحمله حتى يجئ صاحبه، فربما يعطينى شيئا فأرده عليه فاذا أنا بتلك المرأة، فقالت لى:
[١] - و هو النبات المعروف ب« اللفت».
[٢] - القمطرة،: و القمطر ما يحفظ فيه الكتب.
[٣] - أى المجاورين الحرم.
[٤] - الدقيق الجيد.
[٥] - معقود.
[٦] - أى القمطرة بما فيها، فاقبل هديتى للباقى.