الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٦٢ - باب التوكل
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه يقول: سمعت منصور بن عبد اللّه يقول: سمعت أبا عبد اللّه الشيرازى يقول: سمعت أبا موسى الديبلى يقول:
قل لأبى يزيد؛ ما التوكل؟
فقال لى: ما تقول أنت؟، فقلت: إن أصحابنا يقولون:
لو أن السباع و الأفاعى عن يمينك و يسارك ما تحرك لذلك سرك.
فقال أبو يزيد: نعم؛ هذا قريب؛ و لكن لو أن أهل الجنة فى الجنة يتنعمون و أهل النار فى النار يعذبون. ثم وقع لك تمييز عليهما[١] خرجت من جملة التوكل.
و قال سهل بن عبد اللّه: أول مقام فى التوكل: أن يكون العبد بين يدى اللّه عز و جل كالميت بين يدى الغاسل، يقلبه كيف شاء؛ لا يكون له حركة و لا تدبير.
و قال حمدون: التوكل: هو الاعتصام[٢] باللّه تعالى.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخى يقول:
سمعت محمد بن حامد يقول: سمعت أحمد بن خضرويه يقول: قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟
فقال: «وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ»[٣].
و اعلم أن التوكل محله القلب، و الحركة بالظاهر لا تنافى التوكل بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل اللّه تعالى؛ فان تعسر شئ فبتقديره، و إن اتفق شئ فبتيسره.
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصرى قال: حدثنا غيلان بن عبد الصمد قال: حدثنا اسماعيل بن مسعود الجحدرى قال: حدثنا خالد ابن يحيى قال: حدثنى عمى المغيرة بن أبى قرة، عن أنس بن مالك قال: «جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول اللّه، أدعها[٤] و أتوكل؟. فقال: اعقلها و توكل».
و قال إبراهيم الخواص: من صح توكله فى نفسه، صح توكله فى غيره.
[١] - أى ميزت أحدهما على الآخر.
[٢] - الاعتماد عليه.
[٣] - آية ٧ من سورة المنافقون.
[٤] - أتركها.