الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٥٦ - باب الغيبة
كنت جالسا فى مسجد «الشونزية» انتظر جنازة أصلى عليها، و أهل بغداد، على طبقاتهم[١]، جلوس ينتظرون الجنازة، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك[٢] يسأل الناس، فقلت فى نفسى؛ لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به.
فلما انصرفت إلى منزلى، و كان لى شئ من الورد بالليل، حتى البكاء و الصلاة و غير ذلك، فثقل على جميع أورادى .. فسهرت و أنا قاعد، فغلبتنى عيناى ..
فرأيت ذلك الفقير .. جاءوا به على خوان ممدود. و قالوا لى: كل لحمه؛ فقد اغتبته .. و كشف لى عن الحال، فقلت:
ما اغتبته .. إنما قلت فى نفسى شيئا، فقيل لى:
ما أنت ممن يرضى منك بمثله، إذهب فاستحله.
فأصبحت .. و لم أزل أتردد حتى رأيته فى موضع يلتقط من الماء، عند تزايد[٣] الماء، أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل، فسلمت عليه، فقال. يا أبا القاسم، تعود؟
فقلت: لا.
فقال: غفر اللّه لنا و لك.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا طاهر الإسفراينى يقول: سمعت أبا جعفر البلخى يقول: كان عندنا شاب من أهل بلخ، و كان يجتهد و يتعبد، إلا أنه كان أبدا يغتاب الناس و يقول فلان كذا، و فلان كذا، .. فرأيته يوما عند المخنثين[٤] الغسالين، خرج من عندهم.
فقلت: يا فلان، ما حالك؟
فقال: تلك الوقيعة فى الناس[٥] أوقعتنى إلى هذا، ابتليت بمخنث من هؤلاء، و أنا هوذا أخدمهم من أجله، و تلك الأحوال كلها قد ذهبت، فادع اللّه أن يرحمنى
[١] - مراتبهم.
[٢] - العبادة.
[٣] - و فى نسخة.« تراد».
[٤] - المتشبهين بالنساء فى أفعالهم.
[٥] - أى: اغتبابى لهم.