الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٣١ - باب الحزن
الحزن ملك، فاذا سكن فى موضع لم يرض أن يساكنه أحد.
و قيل:
القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن الدار إذا لم يكن فيها ساكن تخرب.
و قال أبو سعيد القرشى:
بكاء الحزن يعمى، و بكاء الشوق يعشى البصر و لا يعمى: قال اللّه تعالى:
«وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ»[١].
و قال ابن خفيف:
الحزن: حصر النفس عن النهوض فى الطرب.
و سمعت رابعة العدوية رجلا يقول: و احزناه .. فقالت: قل: و اقلة حزناه، لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس.
و قال سفيان بن عيينه: لو أن محزونا بكى فى أمة لرحم اللّه تعالى تلك الأمة ببكائه.
و كان داود الطائى الغالب عليه الحزن، و كان يقول بالليل: إلهى، همك عطل على الهموم، و حال بينى و بين الرقاد.
و كان يقول: «كيف يتسلى من الحزن من تتجدد عليه المصائب فى كل وقت؟».
و قيل: الحزن: يمنع من الطعام، و الخوف: يمنع من الذنوب.
و سئل بعضهم: بم يستدل على حزن الرجل؟ فقال: بكثرة أنينه.
و قال سرى السقطى: وددت أن حزن كل الناس ألقى على.
و تكلم الناس فى الحزن؛ فكلهم قالوا: إنما يحمد حزن الآخرة، و أما حزن الدنيا فغير محمود، إلا أبا عثمان الحيرى، فانه قال:
الحزن بكل وجه فضيلة، و زيادة للمؤمن؛ ما لم يكن بسبب معصية؛ لأنه إن لم يوجب تخصيصا فانه يوجب تمحيصا.
و عن بعض المشايخ أنه كان إذا سافر واحد من أصحابه يقول له:
[١] - آية ٨٤ من سورة يوسف.