الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢١٧ - باب الخوف
ثم قال: يا أحمد، بالخوف ارتفعوا، فان ضيعوه نزلوا.
و قال الواسطى: الخوف؛ و الرجاء، زمامان على النفوس، لئلا، تخرج إلى رعوناتها.
و قال الواسطى: إذا ظهر[١] الحق على السرائر، لا يبقى فيها فضلة لرجاء و لا لخوف.
قال الأستاذ أبو القاسم: و هذا فيه إشكال. و معناه: إذا اصطلمت[٢] شواهد الحق، تعالى، الأسرار ملكتها، فلا يبقى فيها مساغ لذكر حدثان[٣]، و الخوف و الرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية.
و قال الحسين بن منصور: من خاف من شئ سوى اللّه عز و جل أو رجا سواه أغلق عليه أبواب كل شئ، و سلط عليه المخافة؛ و حجبه[٤] بسبعين حجابا أيسرها الشك، و إن مما أوجب شدة خوفهم، فكرهم فى العواقب، و خشية تغير أحوالهم، قال اللّه تعالى: «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ»[٥] و قال اللّه تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ..[٦].
فكم من مغبوط[٧] فى أحواله أنعكست عليه الحال، و منى بمقارنة[٨] قبيح الأفعال، فبدل بالأنس وحشة، و بالحضور غيبة..
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، ينشد كثيرا:
|
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت |
و لم تخف سوء ما يأتى به القدر |
|
|
و سالمتك الليالى فاغتررت بها |
و عند صفو الليالى يحدث الكدر |
|
سمعت منصور بن خلف المغربى يقول:
كان رجلان اصطحبا فى الإرادة[٩] برهة من الزمان. ثم إن أحدهما سافر، و فارق
[١] - غلب.
[٢] - استأصلت.
[٣] - أى حديث أو حادثة.
[٤] - و فى نسخة« و حجب قلبه».
[٥] - آية ٤٧ من سورة الزمر.
[٦] - آية ١٠٤ من سورة الكهف.
[٧] - المغبوط: هو من يتمنى غيره مثل ما ثبت له من الخير مع عدم ميل ذلك الغير إلى زوال نعمته عنه.
[٨] - مخالطة.
[٩] - إرادة العبادة و الخير.