الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٠٩ - باب الصمت
روى عن معاذ بن جبل، رضى اللّه عنه، أنه قال:
كلم الناس قليلا، و كلم ربك كثيرا؛ لعل قلبك يرى اللّه تعالى.
و قيل لذى النون المصرى: من أصون الناس لقلبه[١]؟. قال: أملكهم للسانه.
و قال ابن مسعود: ما من شئ بطول السجن أحق من اللسان.
و قال على بن بكار: جعل اللّه تعالى لكل شئ بابين، و جعل للسان أربعة أبواب: فالشفتان مصراعان، و الأسنان مصراعان.
و قيل: إن أبا بكر الصديق، رضى اللّه عنه، كان يمسك فى فيه حجرا كذا سنة؛ ليقل كلامه.
و قيل: إن أبا حمزة البغدادى، رحمه اللّه، كان حسن الكلام، فهتف به هاتف، فقال له: تكلمت فأحسنت، بقى أن تسكت فتحسن؟ فما تكلم بعد ذلك حتى مات قريبا من هذه الحالة على رأس أسبوع، أو أقل، أو أكثر.
و ربما يكون السكوت يقع على المتكلم[٢] تأديبا له، لأنه أساء أدبه فى شئ.
كان الشبلى إذا قعد فى حلقته، و لا يسألونه، يقول: «و وقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون»[٣].
و ربما يقع السكوت على المتكلم، لأن فى القوم من هو أولى منه بالكلام.
سمعت ابن السماك يقول: كان بين شاه الكرمانى، و يحيى بن معاذ صداقة، فجمعهما بلد، فكان شاه لا يحضر مجلسه، فقيل له فى ذلك، فقال: الصواب هذا. فما زالوا به حتى حضر يوما مجلسه، و قعد ناحية لا يشعر به يحيى بن معاذ، فلما أخذ يحيى فى الكلام سكت، ثم قال: ها هنا من هو أولى بالكلام منى، و ارتج[٤] عليه. فقال شاة: قلت لكم الصواب أن لا أحضر مجلسه.
و ربما يقع السكوت على المتكلم لمعنى فى الحاضرين، و هو أنه يكون هناك من ليس بأهل لسماع ذلك الكلام فيصون اللّه تعالى لسان المتكلم غيرة و صيانة لذلك الكلام عن غير أهله.
[١] - فى نسخة لنفسه.
[٢] - أى يطلب منه.
[٣] - آية ٨٥ من سورة النحل.
[٤] - تعذر عليه الكلام: