الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٠٧ - باب الصمت
و قال تعالى: «وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً»[١].
و كم بين عبد يسكت تصاونا عن الكذب و الغيبة. و بين عبد يسكت لاستيلاء سلطان الهيبة عليه. و فى معناه أنشدوا:
|
أفكر ما أقول إذا افترقنا |
و أحكم[٢] دائبا حجج المقال |
|
|
فأنساها إذا نحن التقينا |
فأنطق، حين أنطق، بالمحال[٣] |
|
و أنشدوا:
|
فيا ليل[٤] كم من حاجة لى مهمة |
إذا جئتكم لم أدر باليل ماهيا |
|
و أنشدوا:
|
و كم حديث لك حتى إذا |
مكنت من لقياك أنسيته |
|
و أنشدوا:
|
رأيت الكلام يزين الفتى |
و الصمت خير لمن قد صمت |
|
|
فكم من حروف تجر الحتوف |
و من ناطق ود أن لو سكت |
|
و السكوت على قسمين: سكوت بالظاهر، و سكوت بالقلب و الضمائر.
فالمتوكل: يسكت قلبه عن تقاضى الأرزاق.
و العارف: يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق.
فهذا بجميل صنعه واثق، و هذا بجميع حكمه قانع.
و فى معناه قالوا:
|
تجرى عليك صروفه |
و هموم سرك مطرقة[٥] |
|
و ربما يكون سبب السكوت حيرة البديهة؛ فانه إذا ورد كشف عن وصف البغتة خرست العبارات عند ذلك، فلا بيان، و لا نطق. و طمست الشواهد هنالك، فلا علم، و لا حس.
قال اللّه تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ: ما ذا أُجِبْتُمْ؟ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا[٦].
[١] - آية ١٠٨ من سورة طه.
[٢] - أتقن.
[٣] - ما لا يفيد الغرض.
[٤] - اسم محبوبته« ليلى».
[٥] - راضية.
[٦] - آية ١٠٩ من سورة المائدة.