الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٦٤ - الشاهد
من أين لنا مشاهدة الحق؟ الحق لنا شاهد[١].
أشار بشاهد الحق إلى المستولى على قلبه؛ و الغالب عليه من ذكر الحق و الحاضر فى قلبه دائما من ذكر الحق.
و من حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب، يقال: إنه شاهده، يعنى: أنه حاضر قلبه، فان المحبة توجب دوام ذكر المحبوب، و استيلائه عليه.
و بعضهم تكلف فى مراعاة هذا الاشتقاق فقال:
إنما سمى الشاهد من الشهادة[٢]، فكأنه إذا طالع شخصا بوصف الجمال: فان كانت بشريته ساقطة عنه، و لم يشغله شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال، و لا أثرت فيه صحبته بوجه، فهو شاهد له على فناء نفسه.
و من أثر فيه ذلك، فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه.
و قيامه بأحكام بشريته إما شاهد له، أو شاهد عليه.
و على هذا حمل قوله صلى اللّه عليه و سلم: «رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن صورة» أى: أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلنى عن رؤيته تعالى، بل رأيت المصور فى الصورة، و المنشئ فى الإنشاء، و يريد بذلك رؤية العلم، لا إدراك البصر[٣].
[١] - و فى نسخة« لنا شاهد الحق».
[٢] - بمعنى المعاينة.
[٣] - قال الأنصارى: أن صح الخبر فمحله أن رؤيته صلى اللّه عليه و سلم لربه كانت فى أحسن صورة هو عليها لأنه تعالى خلق له من الإدراك الذى رأى به ربه المنزه عن الأجسام و الصور و الهيآت ما لم يخلقه له قبل، فتلك الصورة راجعة إلى حاله صلى اللّه عليه و سلم التى خصه بها ربه من الإداراك الشريف الذى يخلقه لأوليائه فى الدار الآخرة و يخصهم به، و تكون الصورة مغتوية لا حسية.