الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٣٦ - الجمع و الفرق
فاثبات الخلق من باب التفرقة، و إثبات الحق من نعت الجمع.
و لا بد للعبد من الجمع و الفرق، فان من لا تفرقة[١] له لا عبودية له، و من لا جمع له لا معرفة له، فقوله: «إياك نعبد» إشارة إلى الفرق. و قوله: «وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» إشارة إلى الجمع.
و إذا ما خاطب العبد الحق سبحانه، بلسان نجواه: إما سائلا، أو داعيا، أو مثنيا، أو شاكرا، أو متنصلا[٢]، أو مبتهلا؛ قام فى محل التفرقة.
و إذا أصغى بسره إلى ما يناجيه به مولاه، و استمع بلقبه ما يخاطبه به، فيما ناداه، أو ناجاه، أو عرفه، أو لوح لقلبه و أراده، فهو يشاهد الجمع.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، يقول:
أنشد قوال بين يدى الأستاذ أبى سهل الصعلوكى، رحمه اللّه:
|
جعلت تنزهى نظرى إليك. |
و كان أبو القاسم النصراباذى، رحمه اللّه، حاضرا، فقال الأستاذ أبو سهل:
جعلت، بنصب التاء[٣]. و قال النصراباذى: بل جعلت بضم التاء.
فقال الأستاذ أبو سهل: أ ليس عين الجمع أتم؟[٤]. فسكت النصراباذى.
و سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى أيضا يحكى هذه الحكاية على هذا الوجه.
و معنى: هذا أن من قال «جعلت» بضم التاء يكون إخبارا عن حال نفسه، فكأن العبد يقول هذا من عنده. و إذا قال «جعلت» بالفتح فكأنه يتبرأ من أن يكون ذلك يتكلفه، بل يخاطب مولاه فيقول:
أنت الذى خصصتنى بهذا، لا أنا بتكلفى.
[١] - وجه التفرقة و الجمع على ما ذكره العروسى فى حاشيته: فى قوله« نعبد» الاستقلال؛ اعتبارا بظاهر الحال، و فى قوله« نستعين» الرجوع إلى قوة الكبير المتعال.
[٢] - متنصلا من ذنبه.
[٣] - و فى نسخ، و هو اصوب، بفتح التاء.
[٤] - لأن نسبة الأفعال إلى اللّه أتم من نسبتها إلى العبد.