التعليقة الاستدلالية على تحرير الوسيلة - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ١٦ - التقليد
في غير الضروريّات (٣)- من عباداته ومعاملاته ولو في المستحبّات والمباحات (٤)- أن يكون إمّا مقلّداً (٥)،
(٣) وهي الأحكام المشتهرة، شهرةً تجعلها بديهيّاً ضروريّاً، فإنّه- حينئذٍ- لا معنى فيها للتقليد- الذي هو التعبّد بالحجّة- أو للاحتياط في العمل مع الشكّ في الواقع. ومنه يعلم عدم صحّة التقليد في القطعيّات أيضاً.
(٤) إذا احتمل فيهما الوجوب أو الحرمة؛ فإنّه يلزمه- حينئذٍ- تحصيل المؤمّن عن مخالفة الواقع بإقامة الحجّة تقليداً، أو بالاحتياط عملًا.
(٥) ويدلّ عليه وجوه:
منها: قوله تعالى: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»[١].
فأوجب اللَّه التفقّه والإنذار بكلمة «لولا» التحضيضيّة. و «الإنذار» يشمل الإفتاء بلا إشكال، فيكون الحذر الواقع غايةً له واجباً. وحيث إنّ الظاهر منه هو الحذر العملي- أعني الجَرْي خارجاً على طبق الإنذار الذي من مصاديقه التقليد أيضاً- كانت الآية دالّةً على وجوب التقليد.
ومنها: قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»[٢].
إذ لا إشكال في كون المجتهد من مصاديق أهل الذكر- أي الكتاب الكريم- وحيث إنّه لم يقصد من الحثّ على السؤال إلّاالعمل على طبقه، فالعمل على وفقه- الذي منه التقليد- واجب.
ومنها: السيرة القطعيّة العقلائيّة الجارية على رجوع الجاهل في كلّ فنّ إلى العالم فيه، والشارع لم يردع عنها قطعاً، بل أمضاها قولًا وعملًا، كما في أغلب نظائرها.
[١]. التوبة( ٩): ١٢٢ ..
[٢]. النحل( ١٦): ٤٣؛ الأنبياء( ٢١): ٧ ..