سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧
أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئاً ، فأتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ، فلما جاء أبوالغلام أخبره فأخذ درهماً ، ثم جاء إلى علي ( ٧ ) ليدفعه إليه فقال له : ما هذا ؟ فقال يا مولاي إن القميص الذي باعك ابني كان يساوى درهمين . فلم يأخذ الدرهم وقال : باعني رضاي وأخذ رضاه !
وجاء إلى السوق ومعه غلام له وهو خليفة ، فاشترى قميصين وقال لغلامه : إختر أيهما شئت ، فأخذ أحدهما ، وأخذ عليٌّ الآخر ثم لبسه ومد يده ، فوجد كمه فاضلة فقال : اقطع الفاضل فقطعته ، ثم كفه وذهب .
وروى أحمد عن الصمال بن عمير قال : رأيت قميص علي ( ٧ ) الذي أصيب فيه ، وهو كرابيس سبيلاني ، ورأيت دمه قد سال عليه كالدردي .
وروى عن التميمي : خرج علي بن أبي طالب ( ٧ ) بسيفه إلى السوق فقال : من يشتري مني سيفي هذا ؟ فلو كان عندي أربعة دراهم اشتري بها إزاراً ما بعته . وقال أبو رجاء : قلت يا أمير المؤمنين ، أنا أبيعك وأنسيك إلى العطاء ) .
أقول : أنسيك : أي أبيعك إزاراً نسيئة إلى أن يخرج عطاؤك . ولا بد أن يكون ذلك السيف غير ذي الفقار ، فإنه لا يباع ولا يوهب .
روى الخوارزمي عن سويد بن غفلة ، قال : دخلت على علي ( ٧ ) فوجدته جالساً وبين يديه صحفة فيها لبن حازر ، أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يديه رغيف أرى آثار قشار الشعير في وجهه ، وهو يكسره بيده أحياناً ، فإذا أعيا عليه كسره بركبتيه وطرحه في اللبن ، فقال : أدن فأصب من طعامنا هذا ، فقلت : إني صائم ، فقال : سمعت رسول الله ( ( ٦ ) ) يقول : من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقاً على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها . قال : فقلت لجاريته وهي قائمة بقرب منه : ويحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟ ألا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة ، فقالت : لقد تقدم إلينا ألا ننخل له طعاماً .
قال لي : ما قلت لها ؟ فأخبرته فقال : بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ( ( ٨ ) ) ،
ولم يشبع من خبز البّر ثلاثة أيام ، حتى قبضه الله عز وجل ) .