سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٢
على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ، ويمتد امتداد البصر ورحلنا من ذلك الموضع ، وبتنا ليلة الأحد منسلخ محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور .
ذكر مدينة الحلة حرسها الله تعالى : هي مدينة كبيرة عتيقة الوضع مستطيلة لم يبق من سورها الا حلق من جدار ترابي مستدير بها ، وهي على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها ، ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية ، وهي قوية العمارة كثيرة الخلق ، متصلة حدائق النخيل داخلاً وخارجاً ، فديارها بين حدائق النخيل . وألفينا بها جسراً عظيماً معقوداً على مراكب كبار ، متصلة من الشط إلى الشط ، تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتلة عظماً وضخامة ، ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة ، أمر الخليفة بعقده على الفرات اهتماماً بالحاج واعتناء بسبيله ، وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم ، ولم يكن عند شخوصهم إلى مكة شرفها الله .
وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور نزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ من البلد ، وهذا النهر كاسمه فرات هو من أعذب المياه وأخفها ، وهو نهر كبير زخار تصعد فيه السفن وتنحدر .
والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها ، في بسائط من الأرض وعمائر ، تتصل بها القرى يميناً وشمالاً ويشق هذه البسائط أغصان من ماء الفرات ، تتسرب بها وتسقيها ، فمحرثها لاحد لاتساعه وانفساحه ، فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح ، وللنفس مزاد انبساط وانفساح والأمن فيها متصل بحمد الله سبحانه .
شهرصفر سنة ثمانين عرفنا الله يمنه وبركته هلاله على الكمال ، من ليلة الاثنين بموافقة الرابع عشر من مايه ، استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة ، وفي ضحوة يوم الاثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسراً على نهر يسمى النيل ، وهو فرع متشعب من الفرات ، وكان عليه ازدحام غرق فيه كثير من الناس والدواب في الماء ،