سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢١٢
حطَّ ، فحط . ففعل ذلك مراراً فقال له وردان : أنا أخبرك بما في نفسك ! اعترضت الدنيا والآخرة في قلبك فلست تدري أيتهما تختار ! قال : لله درك ما أخطأت ، فما الرأي ؟ قال : تقيم في منزلك فإن ظهر أهل الدين عشت في دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يُستغن عنك !
فقال عمرو : إرحل يا وردان على عزم . ( وقال اليعقوبي : إن ابنه عبد الله لما سمع شعر أبيه ليلاً ، قال : بَالَ الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه ) !
ثم قدم على معاوية فذاكره أمره ، فقال : أما عليٌّ فلا تسوي العرب بينك وبينه في شئ من الأشياء ، وإن له في الحرب لَحَظَّاً ما هو لأحد من قريش . قال : صدقت ، وإنما نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه دم عثمان . فقال عمرو : وإن أحق الناس أن لا يذكر عثمان لأنا وأنت ، أما أنا فتركته عياناً وهربت إلى فلسطين ، وأما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه ! فقال معاوية : دع ذا وهات فبايعني . قال : لا لعمر الله لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك ! فقال معاوية : سل . قال : مصر تطعمني إياها . فغضب مروان بن الحكم وقال : ما لي لا أستشار ؟ فقال معاوية : أسكت فما يستشار إلا لك ( أي لمصلحة بني أمية ) فقام عمرو مغضباً فقال له معاوية : يا أبا عبد الله أقسمت عليك أن تبيت الليلة عندنا ) .
قال نصر في صفين / ٣٣ ، والدينوري في الأخبار الطوال / ١٥٦ : ( قال عمرو : والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير ، مالك هجرته ولاسابقته ، ولا صحبته ولا جهاده ، ولا فقهه وعلمه . . والله إن له مع ذلك حداً وجداً ، وحظاً وحظوة ، وبلاء من الله حسناً ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك . قال : مصر طُعمة . قال : فتلكأ عليه معاوية . قال نصر : وفي حديث غير عمر قال : قال له معاوية : يا أبا عبد الله ، إني أكره أن يتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا . قال : دعني عنك . قال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت . قال عمرو : لا لعمر الله ما مثلي يخدع ، لأنَا أكيس من ذلك . قال له معاوية : أُدْنُ مني برأسك أسارُّك . قال فدنا منه عمرو يسارُّه ، فعض معاوية أذنه !