حاشية كتاب المكاسب (للهمداني) - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ١٦٤ - في الاختيار
مع أنّ ارتكاب هذه الأشياء من المكروهات الشّديدة، بحيث بنى على عدم إيقاعها في الخارج، و مثل هذا الاهتمام موجب لتحقّق صدق الإكراه بناء على ما ذكرنا، مثلا لو اكره على معاملة كذائيّة، و كان التفصّي عنها موقوفا على رفع اليد عن مطالعة يوم و ليلة، و كان ذلك نقضا لغرضه و مكروها تحقّقه في الخارج، فأوقع المعاملة، يصدق الإكراه بناء على ما ذكرناه، و يرتفع أثره من النّقل و الانتقال، مع أنّه في مثل ذلك المقام لا يلتزم أحد بحلّية الخمر.
لا يقال: إنّ ارتكابه وقع عن إكراه، بل لو ادّعاه الفاعل لكذّبه أهل العرف، فلا بدّ أن يكون على هذا معناه في التكليفيّات مغايرا مع معنى الإكراه في الوضعيّات.
و لكنّ التوهّم مدفوع: بأنّ الملحوظ في صدق التفصّي في الأحكام ليس هو اعتبار الفاعل و قصده عدم وقوع الفعل المتفصّى به، بل المدار في ذلك هو قصد الشّارع، إذ ليس قصد الفاعل في التكليفيّات إلّا تحصيل غرض المولى، فالمدار على غرضه، فلا بدّ أن يلاحظ حينئذ أنّ الشّيء الفلاني في نظر الشّارع هل يصدق عليه التفصّي عن ارتكاب شرب الخمر، بحيث لا يكون شرب الخمر حينئذ مكرها في نظر الشّارع و لو دار الأمر بين ترك الشّرب و ارتكاب ذلك لجعل الارتكاب مقدّمة للتّرك، فلا يحلّ الشّرب حينئذ، بل يبقى حينئذ على حرمته، فالإكراه في كلا المقامين على معنى واحد، غاية الأمر أنّ صدق التفصّي في المعاملات و أمثالها دائر مدار اعتبار نفس الفاعل بالفعل المتفصّى به، و في الشرعيّات يدور مدار اعتبار الشّارع.
هذا كلّه ما لم يكن ارتكاب المتفصّى به ضررا على نفس أو عرض أو مال، و إلّا فلا يتحقّق التفصّي أصلا، لا في الأحكام الشرعيّة و لا في الوضعيّات، لعدم صدق التفصّي مع التضرّر، ما لم يكن الضّرر يسيرا بمقدار لا يعتني به العرف، و إلّا فيصدق التفصّي أيضا.
و لا يخفى أنّ الضّرر المانع عن صدق التفصّي، هو ما إذا لم يكن الضّرر مقدّمة لتحصيل ترك ما اكره عليه، مثلا لو اكره على شرب الخمر، و كان ترك الشّرب