جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ٣٢٢ - المقدّمة الخامسة
إن قلت: قد ورد في القرآن المجيد ما ينافي ذلك، كقوله تعالى لموسى و هارون- على نبينا و آله و (عليهما السلام)- «فَقُولا لَهُ- أي لفرعون- قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى» [١]، مع علمه تعالى بأنّ فرعون لا يتذكّر و لا يخشى.
قلت: ما ذكرناه هو حكم العقل، فإن كان على خلافه ظاهر فلا بدّ و أن يؤوّل، كما يؤوّل قوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» [٢]، فلعلّ قوله تعالى ذلك لأجل أنّه إذا دعوا فرعون يكون في حواريه و أتباعه من يتذكّر أو يخشى، و لا يمكنهما أن يدعوا هم إلّا بهذا النحو، فتدبّر.
و ثالثاً: النقض بتكليف الجاهل و العاجز و الغافل؛ ضرورة أنّ الجاهل و نظرائه لا يكادون ينبعثون عن الخطاب- كما هو ظاهر- مع أنّ التكاليف شاملة لهم لا بعناوينهم. و غاية ما يكون لهم هي معذوريتهم في مخالفة الحكم الفعلي.
و الذي يسهّل الخطب- كما أشرنا- هو تغاير مبادئ جعل الأحكام الكلّية مع مبادئ جعل الأحكام الجزئية، و عدم انحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات، بل خطاب واحد متعلّق بكثيرين، فلا تعدّد في ناحية الخطاب، و إنّما التعدّد في ناحية المتعلّق، فتدبّر و اغتنم.
أضف إلى ذلك: أنّ الإرادة التشريعية- كما أشرنا غير مرّة- ليست إرادة إتيان المكلّف و انبعاثه نحو العمل، و إلّا يلزم في الإرادة الأزلية عدم انفكاكها عنه و عدم إمكان العصيان، بل هي عبارة عن إرادة التقنين و الجعل على نحو العموم، و في مثله يراعى المصلحة العقلائية، و معلوم: أنّه لا تتوقّف صحّته عندهم على صحّة الانبعاث من كلّ أحد، كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفية.
[١]- طه (٢٠): ٤٤.
[٢]- طه (٢٠): ٥.