الغارات - ط الحديثة - الثقفي الکوفي، ابراهیم - الصفحة ٩٣٠ - قصة استلحاق معاوية زيادا
النّسب، و لعمري ما فعل بك ذلك إلّا اللّجاج؛ فدعه عنك فقد أصبحت على بيّنة من أمرك و وضوح من حجّتك، فان أحببت جانبي و وثقت بي فإمرة بإمرة، و ان كرهت جانبي و لم تثق بقولي ففعل جميل لا عليّ و لا لي، و السّلام.
فرحل المغيرة بالكتاب حتّى قدم فارس فلمّا رآه زياد قرّبه و أدناه و لطف به فدفع إليه الكتاب فجعل يتأمّله و يضحك. فلمّا فرغ من قراءته وضعه تحت قدمه.
ثمّ قال: حسبك يا مغيرة فانّي أطّلع على ما في ضميرك و قد قدمت من سفرة بعيدة فقم و أرح ركابك. قال: أجل فدع عنك اللّجاج يرحمك اللَّه و ارجع إلى قومك وصل أخاك و انظر لنفسك و لا تقطع رحمك. قال زياد: إنّي رجل صاحب أناة ولي في أمري رويّة فلا تعجل عليّ و لا تبدأني بشيء حتّى أبدأك، ثمّ جمع النّاس بعد يومين أو ثلاثة فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال:
أيّها النّاس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، و ارغبوا إلى اللَّه في دوام العافية لكم فقد نظرت في أمور النّاس منذ قتل عثمان و فكّرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يذبحون، و لقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل و صفّين ما ينيف على مائة ألف كلّهم يزعم أنّه طالب حقّ و تابع إمام و على بصيرة من أمره، فان كان الأمر هكذا فالقاتل و المقتول في الجنّة، كلّا ليس كذلك و لكن أشكل الأمر و التبس على القوم، و إنّي لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ فكيف لامرئ بسلامة دينه ...! و قد نظرت في أمر النّاس فوجدت أحمد العاقبتين العافية، و سأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته و مغبّته، فقد حمدت طاعتكم إن شاء اللَّه ثمّ نزل.
و كتب جواب الكتاب: أمّا بعد فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة و فهمت ما فيه، فالحمد للَّه الّذي عرّفك الحقّ و ردّك إلى الصّلة، و لست ممّن يجهل معروفا و لا يغفل حسبا، و لو أردت أن أجيبك بما أوجبته الحجّة و احتمله الجواب لطال الكتاب و كثر الخطاب و لكنّك ان كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح و نيّة حسنة و أردت بذلك برّا فستزرع في قلبي مودّة و قبولا، و ان كنت إنّما أردت مكيدة و مكرا و فساد نيّة فانّ النّفس تأبى ما فيه العطب، و لقد قمت يوم قرأت