الغارات - ط الحديثة - الثقفي الکوفي، ابراهیم - الصفحة ٥٩٩ - مسير بسر بن أبى أرطاة و غارته على المسلمين و أهل الذمة و اخذه الأموال و رجوعه الى الشام
مسعدة الفزاريّ [١] يحدّث في خلافة عبد الملك بن مروان قال: لمّا دخلت سنة أربعين تحدّث النّاس بالشّام أنّ عليا عليه السّلام يستنفر النّاس بالعراق فلا ينفرون معه، و تذاكروا أن قد اختلفت أهواؤهم و وقعت الفرقة بينهم. قال: فقمت في نفر من أهل الشّام إلى الوليد بن عقبة فقلنا له: إنّ النّاس لا يشكّون في اختلاف النّاس على عليّ بالعراق، فادخل إلى صاحبك فمره فليسر بنا إليهم قبل أن يجتمعوا بعد تفرّقهم أو يصلح لصاحبهم منهم ما قد فسد عليه من أمرهم. قال: فقال: بلى لقد قاولته على ذلك و راجعته و عاتبته حتّى لقد برم بي و استثقل طلعتي، و أيم اللَّه على ذلك ما أدع أن ابلّغه ما مشيتم به إليّ.
فدخل عليه فخبّره بمجيئنا إليه و مقالتنا له، فأذن لنا، فدخلنا عليه فقال:
ما هذا الخبر الّذي جاءني به عنكم الوليد؟ فقلنا: هذا خبر في النّاس سائر، فشمّر للحرب، و ناهض الأعداء، و اهتبل الفرصة، و اغتنم الغرّة، فانّك لا تدري متى تقدر من عدوّك على مثل حالهم الّتي هم عليها، و أن تسير الى عدوّك أعزّ لك من أن يسيروا إليك، و اعلم و اللَّه أنّه لو لا تفرّق النّاس عن صاحبك لقد نهض إليك، فقال لنا:
ما أستغني عن رأيكم و مشورتكم و متى أحتج الى ذلك منكم أدعكم، انّ هؤلاء الّذين تذكرون تفرّقهم على صاحبهم و اختلاف أهوائهم لم يبلغ ذلك عندي بهم أن أكون أطمع في استئصالهم و اجتياحهم الى أن أسير اليهم مخاطرا بجندي لا أدري عليّ تكون الدّائرة أم لي؟ فإيّاكم و استبطائي فانّى آخذ بهم في وجه هو أرفق بكم و أبلغ في هلاكهم قد شننت عليهم الغارات في كلّ جانب، فخيلى مرّة بالجزيرة و مرّة بالحجاز و قد فتح اللَّه فيما بين ذلك مصر، فأعزّ بفتحها وليّنا و أذلّ به عدوّنا، فأشراف أهل العراق لما يرون من حسن صنيع اللَّه لنا يأتوننا على قلائصهم [٢] في كلّ يوم، و هذا ممّا يزيدكم اللَّه به و ينقصهم، و يقوّيكم و يضعّفهم، و يعزّكم و يذلّهم، فاصبروا و لا تعجلوا، فانّي لو رأيت فرصتي لاهتبلتها.
[١]قد مر الكلام عليه في تعليقاتنا على الكتاب (انظر ص ٤١٨).
[٢]في المصباح المنير: «القلوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء و هي الشابة، و الجمع قلص بضمتين، و قلاص بالكسر، و قلائص».