الغارات - ط الحديثة - الثقفي الکوفي، ابراهیم - الصفحة ٦٣٤ - قدوم عبيد الله بن العباس و سعيد بن نمران على على عليه السلام بالكوفة
النّار [١]؛ألا و إنّكم في أيّام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيّام مهلة قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرّه أمله، ألا و إنّ الأمل يسهى القلب و يكذب الوعد و يكثر الغفلة و يورث الحسرة، فاعزبوا عن الدّنيا كأشدّ ما أنتم عن شيء
[١]قال الرضى- رضى اللَّه عنه- في ذيل الخطبة ما نصه:
«وأقول: انه لو كان كلام يأخذ بالأعناق الى الزهد في الدنيا و يضطر الى عمل الاخرة لكان هذا الكلام، و كفى به قاطعا لعلائق الامال و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار، و من أعجبه
قوله عليه السّلام: «ألاو ان اليوم المضمار و غدا السباق و السبقة الجنة و الغاية النار».
فان فيه مع فخامة اللفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثيل و واقع التشبيه سرا عجيبا و معنى لطيفا و هو
قوله عليه السّلام: «والسبقة الجنة و الغاية النار».
فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين المفسرين و لم يقل: السبقة النار، كما قال: السبقة الجنة، لان الاستباق انما يكون الى أمر محبوب و غرض مطلوب و هذه صفة الجنة و ليس هذا المعنى موجودا في النار نعوذ باللَّه منها فلم يجز أن يقول: و السبقة النار بل قال: و الغاية النار لان الغاية قد ينتهى اليها من لا يسره الانتهاء اليها و من يسره ذلك فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل قال اللَّه تعالى:قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ،و لا يجوز في هذا الموضع ان يقال: فان سبقتكم بسكون الباء الى النار؛ فتأمل ذلك فباطنه عجيب و غوره بعيد لطيف و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام، و في بعض النسخ و قد جاء في رواية أخرى:
و السبقة الجنة بضم السين و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض و المعنيان متقاربان لان ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم و انما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود» و قال المفيد- رضوان اللَّه عليه- في الإرشاد في باب عقده لنقل مختصر من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ضمن ترجمته: «و من كلامه عليه السّلام في التزهيد في الدنيا و الترغيب في أعمال الاخرة ما اشتهر بين العلماء و حفظه ذوو الفهم و الحكماء: أما بعد أيها الناس فان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع (الخطبة لكن باختلاف في بعض الفقرات و زيادة و نقيصة)» (انظر ص ١٧٦- ١٧٧ من طبعة تبريز سنة ١٣٠٨) و نقلها المجلسي (رحمه الله) في المجلد السابع عشر في باب مواعظ أمير المؤمنين من البحار عن الإرشاد (انظر ص ١١٠؛ س ٩).