الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤١١
المدرك الذي لا يكون كذلك فيكون إدراكه تاما فإنه يكون محيطا بالكل عالما بأن أي حادث يوجد في أي زمان من الأزمنة و كم يكون من المدة بينه و بين الحادث الذي يتقدمه أو يتأخر عنه و لا يحكم بالعدم على شيء من ذلك بل بدل ما يحكم المدرك الأول بأن الماضي ليس موجودا في الحال يحكم بأن كل موجود في زمان معين لا يكون موجودا في غير ذلك الزمان من الأزمنة التي قبله أو بعده- و يكون عالما بأن كل شخص في أي جزء يوجد من المكان و أي نسبة يكون بينه و بين ما عداه مما يقع في جميع جهاته و كم الأبعاد بينهما جميعا على الوجه المطابق للوجود و لا يحكم على شيء بأنه موجود الآن أو معدوم أو موجود هناك أو معدوم- أو حاضر أو غائب لأنه ليس بزماني و لا مكاني بل نسبة جميع الأزمنة و الأمكنة إليه نسبة واحدة و إنما يختص بالآن أو بهذا المكان أو بالحضور و الغيبة أو بأن هذا الجسم قدامي أو خلفي أو تحتي من يقع وجوده في زمان معين و مكان معين- و علمه بجميع الموجودات أتم العلوم و أكملها و هذا هو المفسر بالعلم بالجزئيات- على الوجه الكلي و إليه أشير بطي السماوات التي هي جامع الأزمنة و الأمكنة كلها كطي السجل للكتب فإن القاري للسجل يتعلق نظره بحرف حرف على الولاء و يغيب عنه ما تقدم نظره إليه أو يتأخر أما الذي بيده السجل مطويا يكون نسبته إلى جميع الحروف نسبة واحدة و لا يفوته شيء منها و ظاهر أن هذا النوع من الإدراك لا يمكن إلا أن يكون ذاته غير زماني و غير مكاني و يدرك لا بآلة من الآلات و لا بتوسط شيء من الصور و لا يمكن أن يكون شيء من الأشياء كليا كان أو جزئيا على أي وجه كان إلا و هو عالم به فلا يسقط من ورقة إلا يعلمها و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا جميعها يثبت عنده في الكتاب المبين الذي هو دفتر الوجود فإن بالوجود يبين كل شيء مما مضى أو حضر أو يستقبل أو يوصف بهذه الصفات على أي وجه كان أما العلم بالجزئيات على الوجه الجزئي المذكور- فهو لا يصح إلا لمن يدرك إدراكا حسيا بآلة جسمانية في وقت معين و مكان معين- و كما أن الباري تعالى يقال إنه عالم بالمذوقات و المشمومات و الملموسات و لا يقال