الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٨
فصل (٢) في أن الحواس لا تعلم أن للمحسوس وجودا بل هذا شأن العقل
إن الإدراكات الحسية يلزمها انفعال آلات الحواس و حصول صور المحسوسات- سواء كانت في آلات الحواس كما هو المشهور و عليه الجمهور أو عند النفس بواسطة مظهريتها كما هو الحق فهو إنما يكون بسبب استعداد مادة الحاسة له فإن لامسة أيدينا مثلا إنما تحس بالحرارة و تتأثر عنها للاستعداد الذي هو فيها و البصر إنما يقع فيه الإحساس بصورة المبصر للاستعداد الذي هو فيه و السمع إنما يحصل فيه الصوت للاستعداد الذي هو فيه و ليس للحواس إلا الإحساس فقط و هو حصول صورة المحسوس فيها أو في النفس بواسطة استعمالها فالحواس أو النفس الحساسة- بما هي حساسة ليس لها علم بأن للمحسوس وجودا في الخارج [١] إنما ذلك مما يعرف بطريق التجربة فهو شأن العقل أو النفس المتفكر و ليس شأن الحس و لا الخيال [٢] و الدليل على صحة ما ذكرناه أن المجنون مثلا قد تحصل في حسه المشترك- صور يراها فيه و لا يكون لها وجود من خارج و يقول ما هذه المبصرات التي أراها
[١] أي الخارج الذي هو عالم الطبيعة و المواد و لا بأنه ليس له وجود في المواد في مثل المبرسم و النائم و المغمى عليه و السكران بل وجوده إنما هو فيهم و في بعض المواضع له وجود ألطف و أعلى مما في المواد كما للأنبياء و الأولياء و هو في الخارج بمعنى آخر كيف و هو خارجي بخارجية النفس التي هو لها و إن قلنا إنه ليس في الخارج- كان معناه ليس في الهيولى لجلالته و الدليل على أن الحاكم بهذا أو ذاك هو العقل أن السالك المرتاض مع أنه كامل العقل صحيح المزاج لا يتمكن من أن يعلم في الأغلب أن ما يراه أو يسمعه و بالجملة يحسه موجود في المادة أو لا في المادة بل لا بد أن يرجع إلى البرهان أو يعرضه على العارف العالم بالحقائق ٤٩٨ و من هنا قال الشيخ العربي لا أعظم إلينا مما في الكون من التباس الخيال بالحس، س ره
[٢] بل بنحو الأولية، س ره