الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٩
الصورتين المحسوسة و المتخيلة فرقا البتة و لو لا أن تلك الصور موجودة لم يكن الأمر كذلك و محل هذه الصور يمتنع أن يكون شيئا جسمانيا أي من هذا العالم المادي فإن جملة بدننا بالنسبة إلى الصور المتخيلة لنا قليل من كثير فكيف ينطبق الصور العظيمة على المقدار الصغير و ليس يمكن أن يقال إن بعض تلك الصور- منطبعة في أبداننا و بعضها في الهواء المحيط بنا إذ الهواء ليس من جملة أبداننا و لا أيضا آلة لنفوسنا في أفعالها و إلا لتألمت نفوسنا بتفرقها و تقطعها و لكان شعورنا بتغيرات الهواء كشعورنا بتغيرات أبداننا فبان أن محل هذه الصور أمر غير جسماني- و ذلك هو النفس الناطقة فثبت أن النفس الناطقة مجردة انتهى تقرير الحجة التي عول عليها أفلاطون و هي حجة برهانية قوية على ما نريده لكن القوم زعموا أن هذه الحجة لبيان إثبات أن النفس من المفارقات العقلية [١] و ذلك غير ثابت بمثل هذه الحجة و نظائرها و لم أر في شيء من زبر الفلاسفة ما يدل على تحقيق هذا المطلب و القول بتجرد الخيال و الفرق بين تجردها عن هذا العالم و بين تجرد العقل و المعقول عنها و عن هذا العالم جميعا و هذه من جملة ما آتاني الله و هداني ربي إليه أشكره كثيرا على هذه النعمة العظيمة و نحمده عليها و لذلك أعترض على هذا البرهان بوجهين.
أحدهما بأن هذه الصور الخيالية لا بد و أن يكون لها امتداد في الجهات و زيادة و إلا لم تكن صورة خيالية فإنا إذا تخيلنا مربعا فلا بد أن يتميز جانب من ذلك المربع من جانب آخر و إلا لم يكن مربعا و ذلك أن يكون إذا كان شكل و
[١] الحق مع المصنف قدس سره أن الحجة لإثبات تجرد الخيال أو النفس في المرتبة الخيالية و أن المراد بالمحل هو المحل الصدوري لا القبولي لكن يمكن أن يقال إنها لتجرد النفس مطلقا إذ يعلم هاهنا تجردها في الجملة و هو يكفي في أول الأمر و تفصيل أنحاء تجردها كالتجرد عن المادة و المقدار جميعا بل عن الماهية كما مر فهو يعلم بأنظار أخرى فهذا هو توجيه زعمهم، س ره