الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٤
لأن الجسم موجود بل لأنه ناقص الوجود مصحوب بالشرور و الأعدام و الاستحالات- و كذا سائر الصفات السلبية و الواجب تعالى وجود بلا عدم و كمال بلا نقص و فتور و خير محض بلا تغير و زوال و إذا ثبت أن كل ذات مجردة فإنها يصح أن تكون معقولة وجب عليها صحة كونها عاقلة لأنها إذا صح كون ذلك المجرد معقولا لنا صح كونه معقولا لنا مع شيء آخر [١] و قد عرفت أن كون شيء معقولا- هو حصول صورة مساوية لذلك المعقول للعاقل فإذا عقلنا ذاتا مجردة و عقلنا معها شيئا آخر فقد قارنت صورتاهما فصحة تلك المقارنة إما أن تكون من لوازم ماهيتهما أو يتوقف على حصولهما في الجوهر العاقل لكن القسم الثاني باطل و ذلك لأنه لو توقفت تلك الصحة على حصولهما في الجوهر العاقل و حصولهما في الجوهر العاقل نفس مقارنتهما فيلزم أن يتوقف صحة مقارنتهما على حصول مقارنتهما فيكون صحة الشيء متوقفة على وجوده و ذلك محال لأن إمكان وجود الشيء الممكن قد يجوز أن يكون سابقا على وجوده و أما العكس فهو ممتنع البتة فقد ظهر أن إمكان تلك المقارنة بين الصورتين المعقولتين من لوازم ماهيتهما- فلو فرضنا صورة معقولة موجودة في الأعيان قائمة بذاتها فيجب أن يصح عليها مقارنة سائر الماهيات و ذلك إنما يكون بانطباع صورها فثبت أن كل ذات مجردة [٢]
[١] لعل هذا الدليل للمشائين القائلين بأن العلم بالغير منحصر في الحصولي فأرادوا إثبات العلم بالغير على وجه يبين كيفيته فجعلوا المقارن الآخر هو الصورة إذ لولاه فإثبات المقارنة المطلقة يمكن بالسهل من هذا كان يقال صحة معقولية المجرد للغير صحة مقارنته لذلك الغير أو يقال المجرد إما علة تامة و إما معلول و كل منهما واجب الاقتران مع الآخر لكنه من مبادي العلم الحضوري بالغير، س ره
[٢] من أهم ما يجب التنبه له في باب العلم أن العلم الحصولي لا موطن له في الخارج عن ظرف علم النفوس المتعلقة بالأبدان و بعبارة أخرى الجواهر العقلية المجردة عن المادة ذاتا و فعلا لا علم حصولي لها و ذلك لأن حقيقة علومنا الحصولية على ما تعطيه الأصول السالفة أنا نجد وجودات مجردة عقلية أو مثالية بحقيقة ما لها من الوجود الخارجي المترتب عليه آثاره و هذه علوم حضورية ثم نجد من طريق اتصالنا بالمادة أن آثار الوجود المادي لا يترتب عليها فنحسب أن ما عندنا من تلك الوجودات المجردة ذوات الآثار هي هذه الأشياء الطبيعية وجدت في أذهاننا بوجود ذهني غير ذي آثار و عند ذلك تنشأ الماهيات و المفاهيم و هي العلوم الحصولية فهذا العرض الوهمي للصور العلمية- على الذوات الطبيعية المادية من طريق الاتصال بالمادة هو الذي أوجد العلوم الحصولية- و أنشأ الماهيات و المفاهيم الذهنية التي لا يترتب عليها الآثار و من هنا يظهر أن المجردات العقلية المحضة التي لا اتصال لها بالمادة البتة لا منشة عندها لظهور الماهيات و المفاهيم و لا موطن فيها للعلوم الحصولية بل إنما تنال من الأشياء نفس وجوداتها نيلا حضوريا غير سرابي فافهم ذلك، ط مد