الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٩
فنقول إن للعاقلية حقيقة و للمعقولية حقيقة فلو كان مرجع إحداهما إلى الأخرى لكان متى يثبت إحداهما يثبت الأخرى كما أنه لما كان المرجع بالإنسان و البشر إلى ماهية واحدة حتى كانا اسمين لمفهوم واحد لا جرم متى ثبت أحدهما ثبت الآخر و لما أمكننا أن نفهم ماهية العاقلية عند الذهول عن المعقولية- و كذلك بالعكس عرفنا أن ماهيتها مغايرة لماهية المعقولية و إذا ثبت تغاير الصفتين- ثبت تغايرهما عند ما كان العاقل و المعقول واحدا لأنه إذا ثبت تغاير أمرين في موضع- ثبت تغايرهما في كل المواضع فالسواد إذا كان مخالفا للحركة في الماهية كانت تلك المخالفة حاصلة في جميع المواضع.
فأما قوله يستحيل أن يعقل من الشيء كونه عاقلا لذاته إلا إذا عقل منه كونه معقولا لذاته فنقول إن هذه الملازمة لا يمنع من اختلاف المعلومين فإن العلم بالأبوة يلازم العلم بالبنوة و إن كان المعلومان مختلفين في ذاتيهما أ رأيت لو فرضنا كون الشيء محركا فالعلم بالمحركية هناك يلازم العلم بالمتحركية مع أنه لا يلزم أن يكون مفهوم المحركية هو بعينه مفهوم المتحركية فظهر أن كون الشيء عاقلا- يغاير كونه معقولا بل الذات التي عرضت لها إحداهما هي بعينها قد عرضت لها الصفة الأخرى و أما أن كونه عقلا يغاير كونه عاقلا و معقولا فهو أظهر انتهى كلامه.
أقول هذا الفاضل مع كثرة خوضه في الأبحاث لم يفهم الفرق بين مفهوم الشيء و وجوده و توهم أن المغايرة في المفهوم عين المغايرة في الوجود و لم يتفطن بأن صفات الله تعالى الذاتية الكمالية كعلمه و قدرته و إرادته و حياته و سمعه و بصره كلها ذات واحدة و هوية واحدة و وجود واحد و كذا وجوبه و وجوده و وحدته كلها حقيقة واحدة بلا اختلاف جهة لا في العقل و لا في الخارج و لا بحسب التحليل بنحو من الأنحاء و أيضا لا شبهة في أن ذاتيات الشيء مفهومات كثيرة و مع ذلك كلها موجودة بوجود واحد سيما في البسيط الخارجي و إن كانت في ظرف العقل متعددة فعلم أن كون بعض المفهومات متغايرة في موضع لا يقتضي