سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - ذكر ابتداء الحرب و اشتداد القتال
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا سمع، ذلك يقول: «اللهم بك أجول، و بك أصول، و فيك أقاتل، حسبي اللّه و نعم الوكيل». [١]
و روى الإمام أحمد و مسلم عن أنس و الطّبرانيّ عن عبادة بن النّعمان، و إسحاق بن راهويه و البزّار، عن الزّبير بن العوّام قالوا: عرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سيفا يوم أحد، فأخذه رجال فجعلوا ينظرون إليه- و في لفظ: فبسطوا أيديهم- كلّ إنسان يقول: أنا، فقال: «من يأخذه بحقّه؟» فأحجم القوم، فقام رجال فأمسكه عنهم
[٢].
و عند ابن عتبة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا عرضه طلبه منه عمر، فأعرض عنه، ثم طلبه الزّبير فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما من ذلك.
و عند إسحاق بن راهويه عن عمرو بن يحيى المازني أن الزبير طلبه ثلاث مرات كل ذلك يعرض عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و عند الطّبرانيّ عن قتادة بن النعمان: أن عليّا قام فطلبه فقال له: اجّلس، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من يأخذه بحقّه؟» فقام إليه أبو دجانة- بضم الدال المهملة و بالجيم و النون- فقال: يا رسول اللّه، و ما حقه؟ قال: «أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني». قال: أنا آخذه يا رسول اللّه بحقّه. قال: «لعّلك إن أعطيتكه تقاتل في الكيّول» فأعطاه إياه،
و كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، و كان له غصابة حمراء يعلم بها عند الحرب، يعتصب بها، فإذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. و هكذا كانت تقول إذا اعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصّفّين،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين رآه يتبختر: «إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في مثل هذا الموطن».
قال الزّبير: و لمّا أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) السيف لأبي دجانة وجدت في نفسي حين سألته فمنعني و أعطاه إيّاه، و قلت: أنا ابن صفيّة عمّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد قمت إليه و سألته إيّاه قبله، فأعطاه إياه و تركني، و اللّه لأنظرنّ ما يصنع به، فاتّبعته، فخرج و هو يقول:
أنا الّذي عاهدني خليلي* * * و نحن بالسّفح لدى النّخيل
ألّا أقوم الدّهر في الكيّول* * * أضرب بسيف اللّه و الرّسول
قال: فجعل لا يمرّ بشيء إلا أفراه و فتكه، و فلق به هام المشركين، و كان إذا كلّ شحذه بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منجل، و كان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٣ و عزاه لأحمد و البزار و قال: و رجالهما ثقات.
[٢] أخرجه مسلم ٤/ ١٩١٧ (١٢٨- ٢٤٧٠) و ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٩٨ و ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢/ ١٠١.