سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٣ - ذكر رحيل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و قسمة الغنائم و قتل جماعة من الأسرى
روى البزّار و الطبرانيّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: شهد بدرا مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) عشرون رجلا من الموالي، و تنفّل (صلّى اللّه عليه و سلم) سيفه ذا الفقار، و قال لنبيه بن الحجّاج و كان من صفيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع أخذ سهمه مع المسلمين، و فيه جمل أبي جهل و كان مهريا.
و بالصفراء توفي عبيدة بن الحارث رضي اللّه عنه من مصاب رجله، فقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ترثيه:
لقد ضمّن الصّفراء مجدا و سؤددا* * * و حلما أصيلا وافر اللّبّ و العقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة* * * و أرملة تهوي لأشعث كالجذل
و بكّيه للإبرام في كلّ شنوة* * * إذا احمرّ آفاق السّماء من المحل
و بكّيه للأيتام و الرّيح زفزف* * * و تشبيب قدر طالما أزبدت تغلي
فإن تصبح النّيران قد مات ضوؤها* * * فقد كان يذكيهنّ بالحطب الجزل
لطارق ليل أو لملتمس القرى* * * و مستنبح أضحى لديه على رسل
و بها قتل النّضر بن الحارث بن كلدة، قتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه صبرا بالسيف بالأثيل. و قالت قتيلة بنت الحارث- كذا قيل، و الصواب أنها بنت النّضر لا أخته- ترثيه. و أسلمت بعد ذلك. نقله أبو عمر و أبو الفتح في منهج المدح، و لم يستحضر ذلك الحافظ فقال في الإصابة: لم أر التصريح بإسلامها، لكن إن كانت عاشت إلى الفتح فهي من جملة الصّحابيات:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة* * * من صبح خامسة و أنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحيّة* * * ما إن تزال بها الرّكائب تخفق
منّي إليك و عبرة مسفوحة* * * جادت بواكفها و أخرى تخنق
هل يسمعنّي النّضر إن ناديته* * * أم كيف يسمع ميّت لا ينطق
أ محمّد يا خير ضنء كريمة* * * في قومها و الفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت و ربّما* * * منّ الفتى و هو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن* * * بأعزّ ما يغلو به ما ينفق
فالنّضر أقرب من وصلت قرابة* * * و أحقّهم إن كان عتق يعتق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه* * * للّه أرحام هناك تشقّق
صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا* * * رسف المقيّد و هو عان موثق
فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بكى حتى اخضلّت لحيته، و قال: «لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته».