سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦١ - ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم فيما يفعل بالأسرى
قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللّبن، و إن اللّه تعالى ليشدّ قلوب أقوام فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، و مثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم ٣٦] و مثلك يا أبا بكر مثل عيسى ابن مريم إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨]، و مثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة و البأس و النقمة على أعداء اللّه تعالى، و مثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح ٢٦] و مثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس ٨٨] لو اتّفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق»، فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول اللّه إلّا سهيل ابن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال عبد الله: فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع عليّ الحجارة من السماء منّي في ذلك اليوم حتى قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إلّا سهيل ابن بيضاء» فلما كان من الغد غدا عمر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و هما يبكيان، فقال: يا رسول اللّه ما يبكيكما؟ فإن وجدت بكاء بكيت و إلّا تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، و لو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»
- لشجرة قريبة منه- و أنزل اللّه تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ بالتاء و الياء- لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يبالغ في قتل الكفار تُرِيدُونَ أيها المؤمنون عَرَضَ الدُّنْيا حُطامها بأخذ الفداء وَ اللَّهُ يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ أي ثوابها بقتلهم وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٦٧] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً [محمد ٤] لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ بإحلال الغنائم و الأسارى لكم لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال ٦٨، ٦٩].
و استعمل (صلّى اللّه عليه و سلم) على الأسرى شقران غلامه، فأحذوه من كل أسير ما لو كان حرّا ما أصابه في المقسم.
و روى ابن أبي شيبة و التّرمذيّ و حسّنه، و النّسائيّ، و ابن سعد، و ابن جرير، و ابن حبّان، و البيهقيّ، عن عليّ رضي اللّه عنه قال: جاء جبريل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا محمد، إن اللّه تعالى قد كره ما صنع قومك في أخذهم فداء الأسرى، و قد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: إما أن يقدّموا فتضرب أعناقهم و إما أن يأخذوا منهم الفداء، على أن يقتل منهم عدّتهم، فدعا