سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٠ - ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم فيما يفعل بالأسرى
ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم فيما يفعل بالأسرى
روى الإمام أحمد عن أنس، و ابن مردويه عن أبي هريرة، و ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و الترمذيّ و حسّنه، و ابن المنذر، و الطبرانيّ، و غيرهم، عن ابن مسعود. و ابن مردويه، عن ابن عباس. و ابن المنذر، و أبو الشيخ، و ابن مردويه، و أبو نعيم، عن ابن عمر: أنه لما كان يوم بدر جيء بالأسرى و فيهم العباس، أسره رجل من الأنصار: و قد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لم أنم الليلة من أجل عمّي العباس، و قد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه»، فقال له عمر: أ فآتيهم؟ قال: «نعم»، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا و اللّه لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رضي، قالوا: فإن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رضي فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم، فو اللّه لئن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطّاب، و ما ذاك إلّا لما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعجبه إسلامك. فاستشار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الناس.
فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ إنّ اللّه قد أمكنكم منهم، و إنما هم إخوانكم بالأمس.
فقال أبو بكر: يا رسول اللّه أهلك و قومك، قد أعطاك اللّه الظّفر و نصرك عليهم، هؤلاء بنو العمّ و العشيرة و الإخوان استبقهم، و إني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار، و عسى اللّه أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«ما تقول يا بن الخطاب؟».
قال: يا رسول اللّه قد كذّبوك و أخرجوك و قاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، و لكن أرى أن تمكّنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه و تمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، و تمكن حمزة من فلان- أخيه- حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم اللّه تعالى أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش و أئمتهم و قادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلّفون.
و قال عبد الله بن رواحة: يا رسول اللّه أنظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا.
فقال العبّاس و هو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا- يعني الأنصار- إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا.
فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، و قال أناس: يأخذ بقول عمر، و قال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: «إنّ اللّه تعالى ليليّن