سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦ - الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
عمر، و مسلم و النّسائيّ و ابن حبّان عن أبي هريرة، و ابن ماجة عن معاذ، رضي اللّه عنهم أجمعين: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و أن يستقبلوا قبلتنا، و يؤتوا الزّكاة، و يأكلوا ذبيحتنا، و يصلّوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم و أموالهم إلا بحقّها، لهم ما للمسلمين و عليهم ما على المسلمين، و حسابهم على اللّه، قيل: و ما حقها؟ قال: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس فيقتل بها» [١].
ثم كان الكفار معه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد الهجرة ثلاثة أقسام: قسم صالحهم، و وادعهم على ألا يحاربوه و لا يظاهروا عليه عدوّه، و هم على كفرهم آمنون على دمائهم و أموالهم، و قسم حاربوه و نصبوا له العداوة، و قسم تاركوه فلم يصالحوه و لم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره و أمر أعدائه. ثم من هولاء من كان يحبّ ظهوره و انتصاره في الباطن، و منه من كان يحبّ ظهور عدوّه عليه و انتصارهم، و منهم من دخل معه في الظّاهر و هو مع عدوه في الباطن، ليأمن على نفسه من الفريقين، و هؤلاء هم المنافقون، فعامل (صلّى اللّه عليه و سلم) كلّ طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربّه تبارك و تعالى، فصالح يهود المدينة و كتب بينه و بينهم كتاب أمن، و كانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع و بني النّضير و بني قريظة، فنقض العهد الجميع، و كان من أمرهم ما سيأتي في الغزوات، و أمره اللّه سبحانه و تعالى أن يقيم لأهل العقد و الصلح بعدهم، و أن يوفّي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم و لم يقاتلهم حتى يعلمهم بنبذ العهد، و أمره أن يقاتل من نقض عهده.
و لمّا نزلت سورة «براءة» نزلت ببيان هذه الأقسام كلّها، فأمره اللّه تعالى أن يقاتل عدوّه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في دين الإسلام، و أمره بجهاد الكفّار و المنافقين و الغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف و السّنان، و المنافقين بالحجة و اللسان، و أمره فيها بالبراءة من عهود الكفار و نبذ عهودهم، و جعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسم أمره بقتالهم، و هم الذين نقضوا عهده و لم يستقيموا له، فحاربهم و ظهر عليهم، و قسم لهم عهد مؤقت لم ينقضوه و لم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدّتهم، و قسم لم يكن لهم عهد و لم يحاربوه، و كان لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجّلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت الأربعة قاتلهم، و هي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[١] أخرجه البخاري ١/ ٧٥ (٢٥) و مسلم ١/ ٥٣ (٣٦- ٢٢) و الترمذي (٢٦٠- ٢٦٠٦) و ابن ماجة (٧١) و النسائي ٧/ ٧٥ و أحمد في المسند ٢/ ٣٤٥ و الدارمي ٢/ ٢١٨ و البيهقي في السنن ١/ ٨٤ و الحاكم ١/ ٣٨٦ و الطبراني في التفسير ١٥/ ٥٨ و عبد الرزاق (٦٩١٦) و الطبراني في الكبير ٢/ ٣٤٧ و الدار قطني ٢/ ٨٩.