سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥١ - ذكر مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام و غيره
و الذي في الشفاء: و قطع أبو جهل يوم بدر يد معوّذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ألصقها فلصقت، رواه ابن وهب. انتهى.
قال ابن إسحاق: ثم مرّ بأبي جهل و هو عقير معوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته و به رمق، و قاتل معوّذ حتى قتل، ثم مرّ عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل فذكر ما سيأتي.
قال ابن إسحاق: و أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى وقف على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: «اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمة» [١].
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ و إن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت أنا و هو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان، و نحن غلامان، و كنت أشفّ منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به».
قال عبد اللّه بن مسعود: فأتيته فوجدته بآخر رمق فعرفته، و كان مقنّعا بالحديد، واضعا سيفه على فخذيه، ليس به جرح، و لا يستطيع أن يحرّك منه عضوا و هو منكبّ ينظر إلى الأرض، فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله، فأراد أن يضربه بسيفه، فخشي أن لا يغني سيفه شيئا، فأتاه من ورائه، قال: و معي سيف رثّ و معه سيف جيّد، فجعلت أنقف رأسه بسيفي، و أذكر نتفا كان برأسي حتى ضعفت يده، فأخذت سيفه، فرفع رأسه فقال: على من كانت الدّبرة و في رواية: لمن الدّائرة؟ قلت: للّه و رسوله، فأخذت بلحيته و قلت: الحمد للّه الذي أخزاك يا عدّو اللّه، و في لفظ: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: بما ذا أخزاني؟ قال: هل أعمد، و في لفظ: هل عدا رجل قتلتموه. أو غير أكّار قتلني، فرفعت سابغة البيضة عن قفاه، فضربته فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبته.
قال ابن عقبة: فلما نظر عبد الله إلى أبي جهل إذا هو ليس به جراح، و أبصر في عنقه خدرا و في يديه و كفّيه كهيئة آثار السياط، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره بذلك، فقال: «ذلك ضرب الملائكة».
قال ابن مسعود: ثم حززت رأسه، ثم جئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللّه هذا رأس عدوّ اللّه أبي جهل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللّه الذي لا إله إلا هو؟» و في لفظ: الذي لا إله غيره، فاستحلفني ثلاث مرات فألقيت رأسه بين يديه، فقال: «الحمد للّه الذي أعزّ الإسلام و أهله»، ثلاث مرات، و خرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ساجدا.
و في رواية: صلّى ركعتين.
قال القاضي: إن ابن مسعود إنما جعل رجله على عنق أبي جهل ليصدّق رؤياه، فإن ابن قتيبة ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأقتلنّك، فقال: و اللّه لقد رأيت في النوم أني أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيك بنعلي، و لئن صدقت لأطأنّ رقبتك، و لأذبحنّك ذبح الشاة.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٨٨.