سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٠ - ذكر مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام و غيره
ذكر مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام و غيره
روى الإمام أحمد و الشيخان و غيرهم عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه قال:
إني لواقف في الصفّ يوم بدر فنظرت عن يميني و عن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما فتمنّيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما سرّا من صاحبه فقال: أي عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: و غمرني الآخر سرّا من صاحبه فقال مثلها، فعجبت لذلك. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس و هو يرتجز:
ما تنقم الحرب العوان منّي* * * بازل عامين حديث سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى برد،
و انصرفا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. قال: «مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى السّيفين فقال: «كلاكما قتله»،
و قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، و الرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح و معوّذ بن عفراء [١].
و روى الإمام أحمد، و البيهقي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه و ابن إسحاق عن معاذ بن عمرو، و البيهقيّ عن ابن عقبة، و البيهقيّ عن ابن إسحاق. قال معاذ: سمعت القوم و أبا جهل في مثل الحرجة و هم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أظنّت قدمه بنصف ساقه، فو اللّه ما شبهتها حين طاحت إلّا بالنّواة تطيح من تحت مرضخة النّوى، حين يضرب بها، قال: و ضربني ابنه عكرمة- و أسلم بعد ذلك- على عاتقي فطرح يدي بجلده من جنبي و أجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامّة يومي هذا، و إني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها، ثم تمطّيت بها عليها حتى طرحتها.
قال ابن إسحاق: و عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان.
قال القاضي: زاد ابن وهب في روايته: «فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلصقت». كذا نقله عن القاضي في العيون.
[١] أخرجه البخاري ٦/ ٢٨٣ (٣١٤١) و مسلم ٣/ ١٣٧٢ (٤٢- ١٧٥٢).