سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩ - ذكر رمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الكفار بالحصباء
يخافون كرّة العدوّ، و سعد بن معاذ رضي اللّه عنه قائم على باب العريش متوشّح بالسيف.
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما رواه البيهقيّ عن الزهريّ: «اللهم اكفني نوفل بن خويلد» [١]، فأسره جبّار بن صخر، و لقيه عليّ فقتله، و قتل عليّ أيضا العاص بن سعيد، ثم قال: من له علم بنوفل؟
فقال عليّ: أنا قتلته، فقال: «الحمد اللّه الذي أجاب دعوتي منه».
و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ- فيما ذكر ابن إسحاق- لبعض أصحابه: «إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم و غيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا. فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، و من لقي أبا البختريّ فلا يقتله»- و إنما نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن قتله لأنه كان أكفّ القوم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة، و كان لا يؤذيه و لا يبلغه عنه شيء يكرهه، و كان ممّن قام في نقض الصحيفة- «و من لقي منكم العبّاس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما خرج مكرها»، فقال أبو حذيفة رضي اللّه عنه: «أ نقتل آباءنا و إخواننا و عشيرتنا، و نترك العبّاس، و اللّه لئن لقيته لألجمنّه السيف»، فبلغت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص، أ يضرب وجه عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالسيف؟!».
فقال عمر: «يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه بالسيف- يعني أبا حذيفة رضي اللّه عنه- فو اللّه لقد نافق». فكان أبو حذيفة يقول: «ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ و لا أزال خائفا منها، إلّا أن تكفّرها عني الشهادة». فقتل يوم اليمامة شهيدا، قال عمر: «و اللّه إنه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأبي حفص» [٢].
و لقي المجذّر بن زياد البلويّ أبا البختريّ. فقال له: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد نهانا عن قتلك»، و مع أبي البختريّ زميل له خرج معه من مكّة و هو جنادة بن مليحة، و قال: و زميلي؟
فقال له المجذّر: لا و اللّه ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا بك وحدك، قال:
لا و اللّه إذا لأموتنّ أنا و هو جميعا، لا تحدّث عنّي نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة، فقال أبو البختريّ حين نازله المجذّر و أبي إلّا القتال:
لن يسلم ابن حرّة زميله* * * حتّى يموت أو يرى سبيله
فاقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
فقال: و الذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلّا أن يقاتلني فقتلته.
قال ابن عقبة: و يزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختريّ، و يأتي عظم الناس إلا أن المجذّر هو الذي قتله، بل الذي قتله غير شك أبو داود المازنيّ و سلبه سيفه و كان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض ولد أبي البختري.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٦٧.
[٢] انظر البداية و النهاية ٣/ ٢٨٤ و أخرجه البيهقي في الدلائل بنحوه ٣/ ١٤٠.