سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥ - مقتل عوف بن الحارث
و يبشّر الناس بالجنة، و يشجّعهم بنزول الملائكة- و الناس بعد على مصافّهم لم يحملوا على عدوّهم- حصل لهم السكينة و الطّمأنينة، و قد حصل النّعاس الذي هو دليل على الطّمأنينة و الثبات و الإيمان، كما قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال ١١]. و لهذا قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: النّعاس في المصافّ من الإيمان، و النّعاس في الصلاة من النّفاق.
ذكر التحام القتال و مقتل عمير بن الحمام رضي اللّه عنه
قال ابن إسحاق و غيره: ثم تزاحف الناس و دنا بعضهم من بعض، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الناس فحرّضهم فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السموات و الأرض، و الذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله اللّه الجنة». فقال- كما في صحيح مسلم [١] و غيره- عمير بن الحمام أخو بني سلمة و في يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ يا رسول اللّه، عرضها السّموات و الأرض؟! قال: «نعم». قال: أ فما بيني و بين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟
و في رواية قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قذف التّمرات من يده، و أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
و ذكر ابن جرير أنّ عميرا قاتل و هو يقول:
ركضا إلى اللّه بغير زاد* * * إلّا التّقى و عمل المعاد
و الصّبر في اللّه على الجهاد* * * و كلّ زاد عرضة النّفاد
غير التّقى و البرّ و الرّشاد
قال ابن عقبة: فكان أول قتيل قتل من المسلمين، و قال ابن سعد: مهجع مولى عمر بن الخطاب.
مقتل عوف بن الحارث
قال ابن إسحاق: و حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث و هو ابن عفراء قال: يا رسول اللّه: ممّ يضحك الربّ من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدوّ حاسرا؟»
فنزع درعا كانت عليه فألقاها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي اللّه عنه.
و قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ بنفسه قتالا شديدا، و كذلك أبو بكر رضي اللّه عنه، كما كانا في العريش يجاهدان بالدّعاء و التّضرع، ثم نزلا فحرّضا و حثّا على القتال، و قاتلا بأبدانهما، جمعا بين المقامين.
روى ابن سعد، و الفريابيّ، عن عليّ رضي اللّه عنه قال: لما كان يوم بدر و حضر البأس أمّنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و اتّقينا به، و كان أشدّ الناس بأسا يومئذ. و ما كان أحد أقرب إلى المشركين
[١] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة (١٤٥) و أحمد في المسند ٣/ ١٣٦ و البيهقي في السنن ٩/ ٤٣.