سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٥ - ذكر اشتداد الأمر على المسلمين و دعائه (صلّى اللّه عليه و سلم) على الأحزاب و كيف صرفهم اللّه تعالى و قدوم نعيم بن مسعود رضي اللّه عنه
ثم أتى إلى غطفان. فقال: يا معشر غطفان، قد عرفتم أني رجل منكم فاكتموا عليّ، و اعلموا أن بني قريظة بعثوا إلى محمد- و قال لهم مثل ما قال لأبي سفيان- فاحذروا أن تدفعوا إليهم أحدا من رجالكم. فصدّقوه.
و أرسلت يهود عزّال- و هو بعين مهملة فزاي مشددة- ابن سموأل إلى قريش: إنّ ثواءكم قد طال، و لم تصنعوا شيئا، فليس الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يوما تزحفون فيه إلى محمد، فتأتون من وجه، و تأتي غطفان من وجه، و نخرج نحن من وجه آخر، لم يفلت محمد من بعضنا، و لكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم، ليكونوا عندنا، فإننا نخاف إن مسّتكم الحرب أو أصابكم ما تكرهون أن تشمّروا إلى بلادكم، و تتركونا في عقر دارنا، و قد نابذنا محمدا بالعداوة. فلما جاء الرسول لم يرجع إليه أبو سفيان بشيء، و قال- بعد أن ذهب-: هذا ما قال نعيم.
و خرج نعيم إلى بني قريظة، فقال: يا معشر بني قريظة بينا أنا عند أبي سفيان إذ جاء رسولكم إليهم يطلب منه الرّهان، فلم يردّ عليه شيئا، فلما ولّى قال: لو طلبوا منّي عناقا ما رهنتها، أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم، فارتأوا رأيكم، و لا تقاتلوا مع أبي سفيان و أصحابه حتى تأخذوا الرّهن، فإنكم إن لم تقاتلوا محمدا، و انصرف أبو سفيان، تكونوا على مواعدتكم الأولى. قالوا: نرجو ذلك يا نعيم. و قال كعب بن أسد: أنا و اللّه لا أقاتله، لقد كنت لهذا كارها، و لكن حييّا رجل مشؤوم. قال الزّبير بن باطا: إن انكشفت قريش و غطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف، لنخرجنّ إلى محمد و لا تطلبوا رهنا من قريش، فإنها لا تعطينا رهنا أبدا، و على أي وجه تعطينا قريش الرّهن و عددهم أكثر من عددنا، و معهم الكراع و لا كراع معنا؟ و هم يقدرون على الهرب، و نحن لا نقدر عليه، و هذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة فأبى أن يعطيهم إلا السيف، فهم ينصرفون من غير شيء. فلم يوافق الزّبير غيره من قومه على مساعدة قريش إلا برهن.
فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان و رؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل و نفرا من قريش و غطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ و الحافر، فأعدّوا للقتال حتى نناجز محمدا، و نفرغ ممّا بيننا و بينه، فأرسلوا إليهم: إنّ اليوم يوم السبت و هو يوم لا نعمل فيه شيئا، و قد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، و إنّا لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا، ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنّا نخشى إن ضربتكم الحرب، و اشتد عليكم القتال، أن تشمّروا إلى بلادكم و تتركونا، و الرجل في بلادنا، فلا طاقة لنا بذلك منه.