سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٩ - ذكر قتل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عمرو بن عبد ود العامري
و عففت عن أثوابه و لو أنّني* * * كنت المقطّر بزّني أثوابي
لا تحسبنّ اللّه خاذل دينه* * * و نبيّه يا معشر الأحزاب
قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم بالشّعر يشكّ فيها لعليّ رضي اللّه عنه.
ثم أقبل عليّ رضي اللّه عنه نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و وجهه يتهلّل، و لم يكن للعرب درع خير من درعه، و لم يستلبه لأنه اتّقاه بسوءته، فاستحياه، و خرجت خيولهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق. قال ابن هشام: و ألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ و هو منهزم عن عمرو. فقال حسّان بن ثابت في ذلك:
فرّ و ألقى لنا رمحه* * * لعلّك عكرم لم تفعل
و ولّيت تعدو كعدو الظّليم* * * ما إن تجور عن المعدل
و لم تلق ظهرك مستأنسا* * * كأنّ قفاك قفا فرعل
و رجع المشركون هاربين، و خرج في آثارهم الزّبير بن العوّام و عمر بن الخطاب فناوشوهم ساعة، و حمل الزّبير بن العوّام على نوفل بن عبد الله بالسيف حتى شقّه باثنين، و قطع أبدوج سرجه، حتى خلص إلى كاهل الفرس، فقيل: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: و اللّه ما هو السيف، و لكنها الساعد.
و حمل الزّبير أيضا على هبيرة بن أبي وهب فضرب ثفر فرسه، فقطع ثفره، و سقطت درع كان محقبها الفرس، فأخذها الزّبير، فلما رجعوا إلى أبي سفيان قالوا: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء فارجعوا.
قال الحاكم: سمعت الأصمّ، قال: سمعت العطارديّ، و قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبّهت قتل عليّ عمرا إلا بقوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة ٢٥١].
قال ابن إسحاق، كما رواه البيهقيّ عنه: و بعث المشركون إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يشترون جيفة عمرو بن عبد ودّ بعشرة آلاف، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هو لكم لا نأكل ثمن الموتى» [١].
و روى الإمام أحمد و التّرمذيّ و البيهقيّ عن ابن عباس قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين، فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): أن ابعث إلينا بجسده، و نعطيكم اثني عشر ألفا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا خير في جيفته و لا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدّية»، فلم يقبل منهم شيئا.
[١] انظر البداية و النهاية ٤/ ١٠٧.